تضخيم التنظيمات الاصولية – الجهادية في اللحظة الراهنة.

نبدأ بسؤال: هل ان الاصولية الدينية والجهادية هي نتاج (طبيعي) في مجتمعاتنا؟ كلما جري تضخيم تنظيم اصولي / جهادي من مثل حزب الله اللبناني، حزب أنصار الله الحوثي، الاحزاب الولائية العراقية، الاحزاب الاخوانية وكما كان قبلهم تنظيم القاعدة، وداعش، والحرس الثوري الايراني وفيلق القدس، تميل النخب المثقفة الي تعميم المشكلة فتجري كما طرحها خامنئي الي ان الصراع بين يزيد (السنة) وآل البيت (الشيعة)، ويحملها طابعاً طائفياً، وكذلك تميل بعض النخب الي ان تضخم التنظيمات الاصولية فتجري الاعادة الي الدين والي التخلف المجتمعي. وينصب النقاش حول جوهر الدين؛ ليجري التأكيد ان الاحزاب التي ذكرناها في المقدمة وامثالها هي نتاج طبيعي للإسلام. فتطرح المسألة كمسألة تخلف طويل أنتج هذه الظاهرة من هذه الاحزاب الاصولية والجهادية، وهو نتاج الدين مقابل الحداثة، ومن ثمة يعاد الي الاسلام الاول والنص القرآني، وسيرة الصحابة، وصراعات الدولة الاموية والعباسية، كما هي السردية التاريخية عند خامنئي ودولة الملالي الطائفية إيران. وهي سردية ليست علمية ولا واقعية كذلك، بل تظهر وكأن هناك (جوهر ثابت) بعيداً عن مجريات الواقع، وليس نتاج الواقع. ولينحرف الصراع الي صراع مع الدين او الي صراع طائفي (سني شيعي) وهو الامر الذي يمكن ان ينشأ عنه ميل الحادي متصاعد في كل المنطقة العربية. ولكنه سوف يبعد الصراع عن جوهره الحقيقي. ولا شك في ان هذا التعميم والتضخيم الاصولية والجهادية من قبل النخب المثقفة يوصل الي ذلك، لأنه يدخل في (المجردات) (والهلوسات)، والهواجس كما شاهدناها ان هذا التضخيم لدولة الملالي ولحزب الله وحتى لحماس والحوثين هم مجرد فقاعة كبيرة مضخمة تفجرت عند اول مواجهة لها مع امريكا والغرب واسرائيل اي مع اول اختبار حقيقي لها. اذن هذا التضخيم والتعميم لا يمس الواقع الذي أنتج هذه الظاهرة (الفقاعة الكبيرة) وظواهر اخري كثيرة غيرها. ومن هنا فإن كل تعميم سوف لا يقود الي الوصول الي فهم لما يجري، ولا الي حل لهذا الواقع، لهذا تظل الهواجس هي الحاكمة، وتفضي الي عكس ما يراد من هذا التضخيم الاصولية والجهادية لدي هذه النخب المثقفة وخصوصاً اليسار الممانع والمقاوم؛ اي بدل مواجهة هذه الاصولية والجهادية وتفكيكها تجري تقويتها وتدعيمها عبر استنفار فئات اجتماعية، تتحسس من المس بالطائفة او المس بالدين بعد ان باتت متهمة بطائفيتها وبتدينها. وايضاً الي عدم كشف كنه هذه الحالة، ظاهرة التضخيم؛ لكي يتوضح امرها، ومن ثم؛ لا تنجر خلفها تلك الفئات. والي اعطاء مبررات القوي الاصولية الجهادية لكي تكسب شعبياً. فالصراع ليس صراع بين اصولية دينية اسلامية واصولية دينية يهودية فيما يخص القضية الفلسطينية كما يفهمه الاسلام السياسي هذا اولاً. وليس صراع ايمان / الحاد، كما يفهم اليسار، هذا من وجهة النظر هذه هو صراع وهمي، وجد في مرحلة من مراحل التطور في التاريخ العربي، كما ذكرنا في (ورقة كيف فهم الاسلام السياسي واليسار الرائج – العلمانية). والذي أفضى الي العقلنة التي طرحها ابن رشد. وتسربت الي اوروبا، وافضت الي العقلنة والعلمنة والدمقرطة هناك تأسيساً على ما بدأه ابن رشد. الفهم التاريخي هنا مهم، وهو ضروري ضرورة حاسمة لفهم التاريخ الاسلامي، بما في ذلك الدين والطوائف، وايضاً لعدم الخلط بين التاريخ وبين الراهن الاسلام السياسي، فرغم انه يمكن ان يجري الاستناد الي نص قراني، يدعم ما يقوم به حزب الله او دولة الولي الفقيه والحوثي او الاخوان للمسلمين او غيرهم، يمكن الاستناد الي نص اخر، يقول (لا اكراه في الدين) لتأكيد علمانية الاسلام، وبالتالي يمكن الدخول في مناظرات لا حدود لها ولا افق لها ف (القران حمال اوجه) فقط الفهم التاريخي هو الذي يسمح بوضع الاسلام في سياقه التاريخي، ومن ثم فهم الاسس الموضوعية التي فرضت نشوء التيارات السلفية والجهادية والاخوانية والجهادية الشيعية.

ما هي الاسس الموضوعية التي فرضت نشوء التيارات الاصولية / الجهادية سواء الاخوانية او المليشاوية الشيعية؟ ربما يقول البعض انها نتاج الدين، وهي ليست كذلك، بل أن التأويل الديني الذي يطرح لتبرير نشوئها هو نتاج الراهن. وبالتالي ربما يقول البعض انها نتاج تبلور تحت غطاء تصدير الثورة الايرانية (ما يسمي بالجمهورية الاسلامية الشيعية) وبالتالي التوسع بما سمي تشكل الهلال الشيعي في دول منهارة من مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وبالتالي تشكيل أذرع ووكلاء لها من اجل الهيمنة على المنطقة العربية. وهو ممكن ان يكون غير ذلك. وبالتالي يجب البحث في هذا الراهن اللحظة الراهنة وبالذات في (البيئة الاجتماعية) التي تنتج هذا النمط من المجموعات الشيعية الاصولية والجهادية ومن مجموعات الاخوان المسلمين والقاعدة وداعش الخ، فهم نتاج موضوعي ؛ حيث انهم نتاج احساس (فئات اجتماعية) الخوف من الحرية، بأن التطور يتجاوزها، ويتشكل في الواقع وضع جديد، لا مكان لهذه (الفئات) فيه (مثل رجال الدين ورجال الملالي الذين كانو هم السلطة الفعلية عبر السيطرة على التعليم والدين، وتتبعهم فئات مهمشة في المجتمع) وان الافكار التي تعيشها هذه (الفئة رجال الدين ورجال الملالي كل حسب طائفته) وكذلك البيئة التي تعيشها، باتت مهددة بصيرورة حداثية، تتجاوزها، لهذا تمسكت بالمنظور الفقهي واصبحت امتياز لها ضد المنظورات التي اتت بها الحداثة. المنظور الفقهي الذي يعتمد القران والأحاديث النبوية واحكام الفقهاء، ويتركز خصوصاً في احكام فقهية وفي احكام (فقيه) شكل مذهباً خاصاً. لقد دافعت عن واقعها الذي هو استمرار لقرون ماضية في مواجهة واقع جديد، يزحف ويدمر قيمها وبنيتها الاقتصادية (الحرف والبازار والبيئة القروية والفلاحية التي تأخذ طابعاً اقطاعياً) وكذلك منطقها، وهذا هو مأزقها الذي لا يمكنها الخروج من شرنقته. لهذا نراها تدافع عن البيئة التجارية المدنية المغلقة وعن بقايا النظام الاقطاعي وعن الانظمة الدينية الاصولية والاحزاب الاصولية الجهادية سواء كانت سنية او شيعية. ولا شك هنا في انها طرحت نفسها انها تستند الي الدين والي النص القرآني، ودعت الي الاسلام الاول (العودة الي السلف الصالح) وهي تفعل كل ذلك، واصرت على تطبيق الشريعة لكي تكرس سلطتها وسطوتها. هنا تصبح الايديولوجية هي وسيلة دفاع عن الوضع القائم الذي تبلور في ظل وجود ما سمي بمحور المقاومة والممانعة او في ظل وجود دولة الخلافة عند داعش او القاعدة، وايضاً وسيلة سعي لإعادة انتاج الماضي بعد ان أصبح القائم في اواسط القرن العشرين من الماضي، ولا شك في ان (الاسلام) الذي وصلنا بتفسيراته هو نتاج تلك (البيئة) التي نشأت أثر انهيار الدولة والمجتمع نهاية الدولة العباسية. (فالسنة تبلورت حينها) وكان لتجار المدن الدور الاهم في ذلك. وكذلك تبلورت (الشيعة) وكل الطوائف كطوائف بعد ان كانت تعبر عن (تيارات فكرية سياسية متمردة على الدولة).

ان ربط تضخيم التنظيمات الاصولية الجهادية في اللحظة الراهنة سواء بالدين او الطائفة يخفي حقيقةً انها تستخدم الدين والطائفة للدفاع عن واقع قائم تحت يافطة (المعارضة) بلورته هذه التنظيمات الاصولية والجهادية وبرز بشكل واضح في سوريا والعراق ولبنان واليمن وفي فلسطين، وبأشكال اخري في كل الدول العربية ومنها البحرين حيث شاهدنا في ظل هذه البقعة الصغيرة تعددت وتنوعت هذه الجمعيات الاصولية والجهادية سواء في الجانب الشيعي او السني كما هو حال باقي الانظمة العربية. وهدف هذا الاستخدام او الاستغلال للدين هو في مواجهة واقع جديد، يحاول ان يهدم القائم، ويفتح لمسار حداثي جديد، ليس لهذه التنظيمات موقع فيه. وهذا ما جعل من هذه التنظيمات تتمسك بالمنظور الفقهي، الذي يبقي الفكر محبوساً في (بنية) عتيقة، لا تستطيع فهم الراهن. وهو ما يدفعها الي شن الحرب على الفكر الحديث عموماً، وعلى كل النظم العربية القومية التي حاولت ان تعمم (حداثة منقوصة) كما شنت حرباً على الليبرالية والاشتراكية، وفتحت على اعتبار ان كل ما تحقق هو التعبير عن (الجاهلية الجديدة)، كما قال سيد قطب. هذا المنظور هو الذي فرض تاريخياً تأسيس التنظيمات الاصولية والجهادية، التي تريد تدمير القائم، والعودة الي الاصول. وقد تشكلت هذه التنظيمات من فئات مهمشة ومفقرة، او من (بيئات) كانت ما تزال تعيش ما قبل الوطنية وما قبل القومية هذا بشكل عام بالرغم من دور العنصر النخبوي فيها من مثل بن لادن والظواهري والبقية. وفي مناطق لم يشملها التطور في بنية عامة مغلقة، باتت تنتقل الي مرحلة جديدة. في كل ذلك كان النص الديني يخضع لتبرير هذا (المنظور الانكفائي) المعادي للبيئة الجديدة والذي يسعي لتدمير كل التطور المتحقق. وفضلت هذه التنظيمات ان تتواجد في مناطق عانت من (التهميش الحضاري) وهي البيئة التي من الممكن ان تؤثر فيها تلك الافكار الاصولية والجهادية. وبالتالي فهي منبع الجهاديين. وبالتالي فإن (تفاوت التطور) هنا هو الذي يسمح لأن توجد (بيئة) حاضنة (كما هو حال الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية في لبنان) وهي البيئة التي ترفد الاصولية والجهادية من مثل حزب الله اللبناني، هنا تصبح المسألة محددة، وليست فالته، او معممه، لأنها محصورة في (بيئة وحاضنة) محددة، وكما قلنا مناطق معينة، بيئة ظلت خارج التاريخ، وبالتالي يمكن ان يتلبسها التاريخ كما حادث لبيئة حزب الله منذ ثلاثة عقود الي الأن. وتعتقد انها قادرة على اعادة هذا التاريخ، كما هو او كما تتخيله هي انه هو. هذا هو منبع فكرة الولي الفقيه، وفكرة الخلافة والجهاد، ومنبع كل التطبيقات التي تمس المرأة والعلاقات الاجتماعية، والتعامل اليومي، وحتى اللباس، سواء تعلق بالرجل او المرأة. هذه (بيئات مفوته) عن مجمل المجتمعات العربية. لكننا هنا نلمس (بيئات معينة)، ظلت مفوته بالمعني التاريخي، وظلت تريد اعادة انتاج التاريخ، لكن التاريخ المفوت وليس التاريخ الناصع الذي عاشته لبنان في السابق. ما لا بد من لمسه بدل التعميم هو لماذا هذه (الفئات)، التي تمثل جزءاً في المجتمع، هي التي باتت تنشط، وتتسلح، وباتت تحمل (مشروعاً) تجهد من اجل تحقيقه؟ بمعني اين الفئات الوسطي (الطبقة الوسطي)؟ واين الطبقات العاملة التي تعيش الحاضر بكل تخلفه وازماته؟ وبالتالي يطرح السؤال: ما هي الوضعية التي مكنت هؤلاء؟ وهل كانت بفعل ذاتي او كانت نتيجة (عناصر مساعدة) تمتلك كل القدرة على انتاج ما نشاهده اليوم لدي حزب الله والحوثي والحشد الشعبي الخ، وفي النشاط الاعلامي، كما في التمويل؟ فنحن نعرف مقدرة هؤلاء الذين هم مهمشين ثقافياً وحضارياً، وحيث ظل (الفقه) هو اساس الوعي لدي (الائمة) وهو مستوي بسيط وشكلي لا دور للعقل فيه سوي القياس والنقل. وهذا يفرض ليس الميل لوصم الاسلام بما نلمس اليوم في ظل الصراع ما بين محور المقاومة والممانعة المزيف الذي تقوده دولة الملالي إيران وحرسها الثوري وفيلق القدس كما تزعم ضد اسرائيل وامريكا والغرب، بل من المفترض تحليل الاساس الموضوعي لهذه (الظاهرة) محور المقاومة والممانعة المزيف. التي باتت تعمم القرون الوسطي والظلامية والتشدد الاصولي والجهادي سواء الشيعي او السني، وبالتالي الدمار في المجتمعات والدول، تجاوزت امكانية تقبل دور هذا المحور المقاوم والممانع، اي هذه التكوينات العتيقة والبالية معاً. اذن ليس البحث في الدين هو ما يوصل الي نتيجة، ولا الحكم المسبق بأن ما نشهده هو (جوهر الدين)، فالدين بالأساس هو تعبير اجتماعي ظاهرة اجتماعية، وهو الشكل الذي اتخذه التطور في لحظة معينة، والوعي الذي فرض على المجتمع من اجل اخضاعه. لهذا ان كل ميل لتعميم النقاش حول ظاهرة حزب الله او حماس او أنصار الله او الاحزاب الولائية في العراق وكما كان قبلها (تنظيم القاعدة وباتت تنظيم داعش) الخ. بالحديث عن الاسلام، لا معني لها ولا قيمة علمية لها؛ لأنها تكرس نظرة مثالية، تقوم على (الجوهر المطلق)، (الجوهر الثابت)، دون لمس الواقع والصيرورة الواقعية، ودون فهم الاسباب الموضوعية التي انتجت الدين الماضي، وانتجت ظاهرة تضخيم التنظيمات الاصولية الجهادية.

حزب الله، وأنصار الله، واحزاب المليشيا العراقية التي لا تعد وفاطميون زينبيون والاخوان المسلمين والقاعدة وداعش وكذلك جمعيات الاسلام السياسي فيما يخص البحرين هي نتاج واقع راهن وهي نتاج بيئات مفوته الماضي في ادني مراحل انهياره، وهي لا تستطيع فعل ما تفعل، كما يقال انها تفعل كما يوهمنا الاعلام الذي ضخم هذه التنظيمات وجعلها تبدو وكأنها (دول عظمي)، وأنها سوف تحرر فلسطين؟! بعد ان تسلحت ومولت لمدة 20 عام من دولة الملالي الطائفية الدينية في إيران. وهذا الامر يفرض ان تناقش من زوايا اخري متعددة لما يسمي بمحور المقاومة والممانعة المزيف. وهنا لا يفيد فيها التركيز على (الخلاف الفقهي)، او (التفسير الفقهي)، ولا تعميم أصلها برميها على الدين او الطائفة، والتاريخ والتخلف. بالتالي لابد من لمس (المستوي السياسي) الذي جعلها تظهر – فقط – في المناطق التي دخلت ضمن (استراتيجيات الدول (المحلية او العالمية). وكذلك (المستوي المتعلق ب الصورة التي قدمت بها هذه التنظيمات الاصولية والجهادية في الاعلام) والتي تبدو انها من اخراج هوليودي، وليس من قدرة فئات (ملالي ورجال دين) يتم القول انها نتاج بيئات مفوته. وعلى ضوء ذلك يتم التحليل. اولاً هل يمكن ان نعزو الاصولية والجهادية الي التخلف؟ ان المناقشة التي تنطلق من هذه الرؤية فيها الكثير من التبسيط المخل فالأصولية موجودة في امريكا وفي اوروبا اي في البلدان المتقدمة، لهذا لا يصح القول ان الاصولية نتاج طبيعي للتخلف. وهذا تم مناقشته في الورقة (كيف فهم الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين – العلمانية.)وبتالي هنا سوف نركز على (المستوي السياسي)ذلك ان البيئة والحاضنة الاجتماعية التي تبلورت فيها هذه التنظيمات الأصولية والجهادية باتت مناسبة لعودة الاصولية والجهادية التي دعمت من قبل انظمة سواء في الجانب الشيعي التي عممت بكل قوة من اجل تعميمها في محور المقاومة والممانعة بقيادة دولة الملالي الدينية عبر دعم مالي هائل وتسليح هائل ونشر  اوسع لكتبها وافكارها، وعبر الفضائيات او التي دعمت في الجانب السني من قبل انظمة بكل قوة من اجل تعميمها في شكلها الوهابي عبر دعم مالي هائل، ونشر واسع لكتبها وافكارها، وعبر الفضائيات. اذن كان هناك تقصد لنشر الاصولية والجهادية سواء لمحور المقاومة والممانعة الشيعية والتي دخل عليهم الجهاد الاسلامي والاخوان المسلمين حماس. او لنشر الوهابية مثال افغانستان ولم تكن حتى نتاج البيئة التي لم ترتقي حتى الي ذلك في المناطق المخلفة التي انتشرت فيها وهذا الامر يجعل المتفكر في كل هذا ان لا يتجاهل (الفعل الارادي) الذي كان يهدف الي تعميم الاصولية والجهادية، من اجل تعميم التخلف الفكري والمجتمعي، ومواجهة كل ميل ديمقراطي، او اشتراكي، او علماني؛ اي كل ميل يريد تحقيق الحداثة. لكن هذا الفعل القصدي توافق مع مسألتين حاسمتين، الاولي تتعلق بالانهيار الكبير الذي طال التيارات السياسية كلها، وهو ما طرح فكرة ان الوقت او المرحلة ليست لليسار بل للتنظيمات الاصولية والجهادية في الوقت الراهن وهو الامر الذي انهي وجود البدائل التي تعطي الامل للشعب، بوضع أفضل مما بات يعيشه من التردي الحاد في الحياة الاجتماعية بعد الانهيار الاقتصادي الذي طال طبقات عدة، وقاد الي نشوء بطالة مرتفعة وفقر شديد. لقد سقط (الحلم القومي) مع بروز ازمة الانظمة القومية وانهيارها، كما سقط (الحلم الاشتراكي) و(حلم التحول الديمقراطي) مع ازمة الاحزاب اليسارية والشيوعية والماركسية التي التحق جزء منها بالأنظمة القومية او بالتنظيمات الاصولية والجهادية ومن ثمة انهيار المنظومة الاشتراكية كلها. ولم يكن الحنين ل (العصر الذهبي) للبورجوازية يكفي لكي تشكل بديلاً، خصوصاً وان الازمة المجتمعية كانت تحتاج الي بديل من نوع اخر، بالضبط يتعلق بالوضع المعيشي قبل لمس (الق المرحلة الليبرالية) وهذا ما استغلته التنظيمات الاصولية والجهادية. ولقد نشأ فراغ فكري هائل بعد ان تكسرت كل المنظومات الفكرية الحداثية ولم يبقي سوي الوعي التقليدي الذي استغلته هذه التنظيمات الاصولية والجهادية لتملا هذا الفراغ وخصوصا بعد انهيار التعليم وفقدان الثقافة العامة.

كما ذكرنا ان الفعل الإرادي القصدي من تعميم الاصولية والجهادية توافق مع مسألتين: الاولي كما ذكرنا تتعلق بالانهيار الكبير الذي طال التيارات السياسية كلها. اما الثاني: اي المسألة الأخرى تتعلق بما انتجته الازمة المجتمعية من ميل للتدين لدي قطاع مجتمعي كبير، وهي الحالة التي ظهرت منذ تسعينيات القرن العشرين، وتوسعت بداية القرن الجديد. فقد ادي انسداد الافق امام  الشباب، وتزايد اعداد العاطلين عن العمل والمفقرين، تزايد العشوائيات وترك الدراسة، الي ميل تديني عام لدي قطاع من الشباب خصوصاً، وهذا بات يشكل قاعدة للحركات الاصولية والجهادية، خصوصاً لدي الاحزاب الطائفية سواء كانت سنية او شيعية من مثل حزب الله في لبنان والاخوان المسلمين وهاتان الحركتان التين ظهرتا كقوة معارضة بعد تلاشي احزاب المعارضة اليسارية والحداثة، ولكن ؛ كذلك كقوة معادية لأمريكا وإسرائيل، وايضاً كقوة تدعي الديمقراطية، وهذه العناصر شكلت رمزية لحزب الله او لجماعة الاخوان المسلمين جعلتها مقبولة من فئات مجتمعية وحاضنة اجتماعية اوسع من الفئات التي تستفيد منها من خلال (الاعمال الخيرية)، لقد ادي غياب البدائل الحداثية، وتحصل الاخوان المسلمين وحزب الله على هذه (الرمزية)، الي ان تميل القاعدة المجتمعية المتململة الي دعمهم. وكما يتم ملاحظة ان كل العناصر التي دفعت فئات من الشباب الي التدين والانخراط في القوي الاصولية والجهادية هي عناصر (غير اصولية)، و (غير دينية)، لكن العزاء الروحي الذي وجده هؤلاء المفقرين والمهمشين في الدين – ربما كان هو الجسر فقط لشباب يحلم بالتغيير من اجل الحصول على عمل او آجر يجعله يستطيع العيش. هذا الخلط هو نتاج غياب فكر الحداثة المصاغ، بما يجعله يمثل بديلاً، يقنع كل هؤلاء، وليس نتيجة (وعي ديني) متأصل. وإذا كان هناك قوي ونظم تعمل على تعميم الاصولية والجهادية مثل محور المقاومة والممانعة بقيادة إيران، بدعم مالي وتسليحي وغطاء اعلامي كبير، وهناك بيئات مخلفة، يمكن ان تنتج فئات اصولية وجهادية، فإن الواقع العام ليس كذلك. فإزاء الفراغ الفكري وغياب البدائل يمكن ان يسيطر الوهم، ويمكن ان تتمكن قوي ونظم مثل دولة الملالي الطائفية الدينية إيران من التأثير في الوعي والمواقف كما شاهدنا ذلك عند كل البيئات والحاضنات للمليشيات والاذرع والوكلاء المنضوين فيما يسمي محور المقاومة والممانعة. مما مكن ان تصبح البيئات المخلفة هي العنصر الفاعل في الصراع، وبالتالي ان تفرض هيمنة ايديولوجية بالعنف على بقية القوي الأخرى المعارضة لها. للأسف كل النخب سواء في لبنان او اليمن او سوريا او العراق كما هو الحادث لدينا في البحرين اليسار الرائج قد مالت الي الهرب من مسؤوليتها، فرمت كل ما يجري ويجري سواء على التخلف او ان الواقع المتبلور في المشروع الاصلاحي في البحرين هو في غير صالح اليسار. وربما هو كما حدث لكل الجمعيات اليسارية والتي انكشفت وتعرت في مشروع الدوار الكارثة ربما هي تصيغ واقعها وتعممه كواقع قائم عام. بمعني انها لا تزال في منهجيتها (منطق تفكيرها) تعيش القرون الوسطي، لكنها تحمل المجتمع مسؤولية انتشار الاصولية والجهادية سواء كونه متخلفاً او ان الوضع المجتمعي غير جاهز لليسار؟! لكن أليست هي المعنية بتحقيق وتقدم المجتمع وتطوره؟ كونها قوة حداثية؟ واليس كثير منها من هلل لهذه الاصولية والجهادية (المعارضة الشيعية الكبيرة) كما حدث في البحرين او لبنان الخ، وفرح بموقفها (القومي) او (التحرري) او (الديمقراطي)، وكرسها واجهة يتخفى خلفها بدل ان يفك منطقها، ويكشف زيف مواقفها وخطر توسع قوتها؟ سواء في البحرين او كل الدول التي تنفذت فيها هذه الاصولية والجهادية.  وهنا يجب ان نلاحظ انه رغم التخلف القائم في المجتمع، فإن تخلف (النخب) هو الاسوأ، وفي الوضع الراهن. الاهم لكل القوي اليسارية هو بلورة الفكر البديل المعبر عن واقع الناس والذي يقدم املاً بالتغيير، يحقق مطالبهم. لذا بدل من تضخيم رموز او زعماء الاصولية والجهادية من مثل (سيد المقاومة شهيداً على طريق القدس عاشت المقاومة) كما يكتب ابراهيم شريف. وهنا بدل الندب لا بد من التأسيس لرؤي وافكار وتصورات وخيارات بديلة، هذا اجدي في تراجع الاصولية والجهادية وهزيمتها.

محور المقاومة والممانعة في السياسة.

كما ذكرنا سابقاً بان التركيز على بعد التخلف او الدين لفهم التنظيمات الاصولية والجهادية في الوقت الراهن يبعدنا عن فهم ان هذه التنظيمات الاصولية والجهادية هي نتاج واقع راهن. وبالتالي سوف يتم التركيز هنا على (المستوي السياسي) لفهم هذا الظاهرة ومضمونها. ولكن قبل النقاش في محور المقاومة والممانعة الايراني سوف نناقش تجربة اخري مهمة في فهم الحركات الاصولية والجهادية ومنها ((داعش في السياسة، فمنذ حزيران / يونيو سنة 2014 أصبح لداعش دور جديد، بعد ان لعب دوره في سورية ضد (الثورة السورية) حيث بات (عالمياُ)، وأصبح خطراً داهماُ كيف؟ ولماذا؟ الظرف الموضوعي الذي كان فيه العالم ينتظر نتيجة التصارع بين القوي الامبريالية؛ لكي يعرف من هي القوة التي ستسيطر وتفرض من جديد عالماً احادي القطب بعد ان تراجع دور ووضع امريكا، وباتت عاجزة عن القيام بهذا الدور. المفاجأة كانت في ان داعش باتت هي هذا القطب العالمي. سنجد كل الاعلام العربي والغربي يتحدث عن قوة داعش، وعن توسعها في سورية والعراق، وعن اقامة دولة (موحدة) بينهما بعد ان جري الحديث عن (التقدم السريع) لها في العراق، ودحرها قوات المالكي. وبعد ان بات كل ما يجري في العراق هو من فعل داعش، التي ظهرت كأخطبوط ممتد، وباتت – كما يبدو – البديل عن تنظيم القاعدة في اظهار الرعب والارهاب والاصولية بالتالي انتهي تنظيم القاعدة، واصبحت داعش هي القوة العالمية التي ستمتد يميناُ وشمالاً، كما حدث بتوسعها الي مصر وليبيا والمغرب العربي واليمن ولبنان.)). هذه هي (الصورة) التي يعممها الاعلام بكل الوانه، سوا كان الاعلام الممانع والمقاوم او الامبريالي، (اليساري واليميني)، من إيران الي سورية وحزب الله الي اليسار الممانع في البحرين وكذلك في كل اوروبا وامريكا وروسيا طبعاً التي احتلت سوريا. كل هذا الخليط الذي يفترض انه متناقض يتفق على ان داعش هي التي تسيطر، ويطرح ضرورة التحالف (ضدها). (والان تغير هذا الموقف بعد شن ما يسمي بمحور المقاومة والممانعة حرباً (مقدسة) من اجل تحرير (القدس المقدسة) بعيداً عن كون القضية الفلسطينية حركة تحرر وطني وحق تقرير المصير من البعد الوطني). اذن لقد باتت داعش في تلك الفترة (الخطر الرئيس) الذي يستوجب التحالف ضده. ربما لكل طرف اغراضه (الخاصة)، لكن يبدو واضحاً انها كلها لا تريد ان تفهم ان ما كان يجري في سوريا هو تمرد شعب لأسباب مختلفة، ولكل له مصالحه المباشرة، وهذا يشمل النظام في إيران ومليشياتها وخصوصاً حزب الله، والنظام السوري وروسيا التي تحتل هناك وكل الدول الامبريالية، التي باتت تخاف من التغيير في سوريا. لكن السؤال المهم هنا: كيف يمكن ان يسقط (يساري) في هذا الهو؟ وكيف يمكن ان ينجرف خلف (الصورة) التي يرسمها الاعلام قاصداً؟ وللأسف يتكرر هذا السقوط اليساري مع الصراع الحالي بين محور المقاومة والممانعة الايراني بأذرعه ومليشياتها ووكلائه في الصراع الحالي.

السؤال المطروح هنا لمن يضخم هذه التنظيمات الاصولية والجهادية هو ليس لماذا يعمم الاعلام بمختلف تلاوينها (صورة) سواء محور المقاومة والممانعة المشكل من ايران واذرعها ووكلائها ومليشياتها كما هو الحال في التجربة التي نناقشها تنظيم القاعدة والذي تحول الي تنظيم داعش انه يسيطر ويحتل ويتوسع كما هو حال محور المقاومة والممانعة، فخلف ذلك تكمن مصالح تتقصد تشويه الحراك السياسي الشعبي في سوريا او العراق او لبنان او اليمن، وبل السؤال الجوهري هو لماذا يقبل عدد كبير من النخب وبالذات اليسار الممانع هذه (الصورة) ؟ ولماذا كانو ومازالوا يصدقون آنها حقيقةً بلا سؤال عن صحتها، او التدقيق في واقعيتها؟ اذن كيف تسقط (الصورة) على (دماغ) هؤلاء لتصبح حقيقة؟ حقيقة مطلقة؟ فتصبح اساس كل التحليلات والمواقف والسياسات، الامر الذي يجعل هؤلاء في تضاد مع اي حراك سياسي سواء في لبنان او العراق او سوريا او اليمن وبالتالي مع مطامح شعوبها. إذا تم تجاوز المصالح و (الارتباطات) يمكن ان نلمس طريقة التفكير لدي هذا اليسار الممانع من جهة، وواقع دور محور الممانعة والمقاومة الايراني ومليشياتها كما كان دور القاعدة وداعش قبل ذلك المضخم، من جهة اخري. فما يظهر هو سيادة السطحية والسذاجة المفرطة، فالتفكير شكلي صوري، وهو ما يعني ان (العقل) يتناول ما هو متداول دون مقدرة على الغوص عميقاً، وايضاً دون تاريخية لهذه التنظيمات الاصولية والجهادية تسمح بالربط بين (الحوادث) لهذا يصبح الموقف لحظي، اني، بلا ماض، او رؤية مستقبلية لهذه التنظيمات الاصولية والجهادية، وهذا ما يجعل هذا اليسار الممانع يتبع الحدث والشخصيات التي تقود هذا الحدث دون ان يفهمه او يلامس مشروعها الذي تريده للمنطقة، وبالتالي يتم تحديد الموقف بناء على منظور ذاتي، وهو غير متسق في كثير من الاحيان. هذا (العقل) عند اليسار الممانع وحتى عند حزب الله وإيران هو الذي واجه الاصولية والجهادية في شكل القاعدة ومن ثم داعش.   فنشأت حالة رعب داخلي في داخل هذا اليسار الممانع هي التي تحكم منظور هؤلاء، الامر الذي يؤسس لتجاوز (العقل) نحو رد الفعل الغريزي ويكون هنا ضد الاصولية والجهادية في شكل القاعدة وداعش بالتحديد هذا الوضع يجعل الشخص خاضعاً لتأثير الاعلام والاخبار العابرة والصورة التي يصدرها، ويصبح كل خبر حقيقة فقط ؛ لأنه لمس هذا الامر، لهذا يجري الانسياق كالقطيع خلف موجة اعلامية مصنعة الاعلام يخترع فقاقيع سابقاً القاعدة ومن ثم داعش والان محور المقاومة والممانعة الايراني ومليشياتها حزب الله انصار الله الحشد الشعبي فاطميون زينبيون، من اجل تشويه الحراك السياسي المطالب  بالتغيير في الانظمة التي سيطرت عليها داعش والقاعدة ومن ثمة محور المقاومة والممانعة الايراني، هذا من جهة، وشل النخب او اليسار من جهة اخري ؛ لكي لا تنخرط في الحراك والتغيير سواء في لبنان او العراق او اليمن او سوريا. ومع الاسف فإن هذه النخب واليسار مريضة، وفي مرضها تضخم كما كان في السابق من القاعدة ومن داعش والان تضخم محور المقاومة والممانعة، وتربك الحراك الشعبي، بدل ان تؤسس في الواقع القوي التي تؤثر في مسار التغيير الديمقراطي. وبالتالي فإن كما كانت في السابق ظهر مفهوم (الاسلاموفوبيا) مع القاعدة وداعش والتي باتت ماركة عالمية، واصبحت النخب واليسار الممانع وحتى الاسلام السياسي الشيعي تعشق لبسها.

كما تم (النفخ) و (التضخيم) من قبل للقاعدة ومن ثم لداعش فقد تم النفخ والتضخيم فيما سمي بمحور المقاومة والممانعة. فكما بات داعش هو الخطر الرئيس الذي يجب حشد (تحالف دولي) ضده بعد ان سيطر على الموصل، كذلك بات محور الممانعة والمقاومة كما هو اليوم هو الخطر الرئيس والذي يجب حشد (تحالف دولي) ضده بعد ان سيطر على العراق وسوريا ولبنان واليمن وهو  الدور الذي بات  يحضر لدولة الملالي الثيوقراطية لتقوم بتفكيك (طائفي) ل دول عربية وازنه في المنطقة (العراق / سوريا)، من خلال اذرعها ووكلائها ومليشياتها التي هدمت الدولة لصالح المليشيا، وكان الدور هو القضاء  على الاحتجاجات والتظاهرات (الحراك السياسي) الذي تبلور ضد سلطة المليشيا في العراق او ضد الحكم الديكتاتوري في سوريا، وكذلك هيمنت على الدولة لصالح الدولية حزب الله في لبنان وكذلك فعلت في اليمن حولت المليشيا انصار الله الي دويلة وكشوكة في خاصرة دول مجلس التعاون في الخليج العربي.. الخ. ولكن كيف تبلور ذلك على ارض الواقع؟ بالعودة الي القاعدة ومن ثم داعش ظهر ان هناك دور يحضر لداعش، بعد ان ورثت القاعدة، ويبدو ان اطرافاً عديدة، كان كل منها يريد هدفاً خاصا به من ذلك. فقد خدم تنظيم داعش النظام السوري في ظل الحراك السياسي والاجتماعي المطالب بتغيير النظام (تحت شعار حرية كرامة) وذلك من خلال خلق فوضي وقتل واعتقال في المناطق التي اسميت (محررة)، وفرض على الشعب الصراع مع داعش، وبالتالي أصبح الشعب السوري يقاوم على جبهتين (النظام السوري وداعش) في وضع لم يكن يمتلك السلاح، كما كل من النظام وداعش. وكانت احتكاكات تنظيم داعش بالسلطة محدودة، واحياناً كثيرة كانت هجماته متناسقة مع هجوم السلطة السورية على الحراك السياسي والاجتماعي المطالب بالحرية والكرامة وضد الاستبداد، وكما كان في سوريا حدث في العراق ايضاً حيث اربكت داعش الحراك الشعبي، وبات وجود داعش هو المدخل لاستخدام المالكي للعنف ضد (الاعتصامات) التي جرت من قبل العشائر السنية في الانبار، وجري التصريح من قبل وزراء من قائمة المالكي انه هو من اطلق سراح عناصر داعش من سجن ابي غريب، وارسلهم الي سوريه، كما جرت الاشارة الي تمويل ايراني، وكانت تصريحات قادة في تنظيم داعش توحي بذلك ايضاً. وفي الحراك الشعبي الذي قامت به كتل سياسية ضد المالكي، لعبت داعش أخطر الادوار في اجهاضه، وتحويل الصراع الي وجهة اخري، هي التي فتحت على هيمنة الاحزاب الشيعية الموالية لإيران. كان تقدم داعش ضد الاكراد الذين دعموا الحراك الشعبي ضد المالكي هو المدخل لتدخل امريكي بعد ان كان كل الحراك الذي جري في العراق للسيطرة على السلطة قد وضع في جعبة داعش، وفي تناسق اعلامي ضخم ونفخ في داعش ملفت، وشمل كذلك كل الاطراف المتناقضة، فظهرت داعش (كقوة خارقة)، تسيطر على نصف سورية ونصف العراق، بعدد عناصر بلغ عشرة الالف لتبرير التدخل الامريكي الي ثلاثين الفاً حسب التصريحات الامريكية، وربما تظهر السياسة الامريكية الجديدة السبب الذي جعل كل وسائل الاعلام ومسؤولي العالم، المتناقضين في محاور (متعادية) ومنها محور المقاومة والممانعة تتوحد في (تضخيم) قوة داعش ومن خطرها الذي لم يسبق ان وجد مثله، كما كرر الخطاب الامريكي. حيث ان ايران كانت تريد (توريط) امريكا في الصراع الذي انفتح في العراق ضد سلطة المالكي، وهي تعمل على اعادة تكريس المالكي حاكماً بعد الانتخابات التي اجريت في تلك الفترة، وكذلك فعلت السلطة في سوريا حيث كانت تريد( تحالفاً) مع امريكا، وكانت تري ان اللعب بمسألة الارهاب مفيد في ذلك من اجل سحق الحراك الشعبي.، لكن ظهر ان امريكا تريد ان تغير التوازنات في العراق، وربما في سوريه، وسيبدو ان النظاميين الايراني والسوري قد خرجا خاسرين من لعبة، اعتقدا انهما ممسكان بها، وهي لعبة داعش المخترقة لهما، ولكن المسيطر عليها امريكياً. فقد خدما نظام الملالي وكذلك السوري في الصراع مع الشعبين العربيين العراقي والسوري وضد الحراك الشعبي فيهما. لكن حين تريد امريكا تعديل موازين القوي السياسية تصبح هذه (داعش) اداتها، وفي نفس الوقت (عدوها اللدود) الذي يكون المدخل؛ لكي تغير في (مكان اخر) هو بالتحديد توازنات السلطة في العراق وسوريه، وبالتالي لكي تكون الغطاء لتحقيق هذا التغيير.

لهذا كان يجب تضخيم ونفخ داعش، وكان يجب ان يشرد المسيحيون في الموصل، ويقتل اليزيديون، وان (يذبح) صحفيان، يحملان الجنسية الامريكية، عبر تصوير ومشهد لفيلم هوليودي (وكل مشاهد داعش كانت من اخراج هوليودي بامتياز) فهذه هي (عدة الشغل) التي تستخدمها السياسة الامريكية، من اجل تبرير التدخل، تبريره اولاً للشعب الامريكي، وتبريره عالمياً، واذا كانت لا تريد التدخل البري، لأنه لم يعد بمقدورها ذلك، نتيجة السياسة التي تقررت بعد الازمة المالية، والتي حصرت التدخل في هذه المنطقة باستخدام الطيران الحربي فقط، فإن ما كانت تريده امريكا هو اعادة سيطرتها على العراق، وان بالتفاهم والتقاسم مع دولة الملالي ايران، بحيث يجري تقاسم السلطة بين اطراف (العملية السياسية) فعلياً، وليس شكلاُ، كما كان في مرحلة المالكي، هذا واضح فيما جري في العراق بعد ابعاد المالكي ومحاولة تشكيل حكومة (متضامنة) او (توافقية ذات محاصصة طائفية)، وهذا السيناريو لم يحدث في سوريه كمدخل لتحقيق ما هو مشابه. اي ابعاد الاسد، وتشكيل حكومة انتقالية وفق مبادئ جنيف او على غرارها حيث تم دفن هذا السيناريو؟

المناخ النفسي الذي تبلورت فيه التنظيمات الاصولية والجهادية. سواء كان القاعدة، داعش، محور المقاومة والممانعة، والصورة التي ضخمت ونفخت فيها.

وهنا نقصد (الصور التي يظهر فيها هؤلاء الاصوليون او الجهاديون (القاعدة، داعش، محور المقاومة والممانعة) حيث انها معبرة وتلقي الضوء على ظاهرة محور المقاومة والممانعة، وتفيد في فهم طبيعتها، وهو ما يخدم التحليل السياسي لهذه الظاهرة. القصد هنا من الناحية النفسية هي (الدوافع) التي تكمن في خلفية تشكل (الاصوليين والجهاديين) في محور المقاومة والممانعة كما كانت قبلها في القاعدة وداعش. بتنا نسمع كثيراً ان مقاتلي حزب الله او أنصار الله الحوثي او التنظيمات الولائية في العراق او سوريا هم يقاتلون من اجل عقيدة او بشكل عقائدي ومن هنا ليس مهم عندهم (الاستشهاد) فيهم يقاتلون من اجل قضية مقدسة تصور لهم على انها (دينية) من هنا اختارت القاعدة وداعش (تحرير الكعبة (جهيمان) ومن هنا اختار محور المقاومة والممانعة تحرير القدس). وهنا من الضروري البحث في طبيعة الفئات التي التحقت ب (النشاط الاصولي والجهادي)، والاسباب التي فرضت ذلك. وهذا يفرض البحث في الجذور التي دفعت الي ذلك، والاسباب التي جعلت فئات مجتمعة تسعي للالتحاق بالتنظيمات الاصولية والجهادية، من تنظيم القاعدة الي داعش الي محور المقاومة والممانعة. وهنا من الناحية النفسية والمناخ المزاجي يحب لمس أثر (التهميش والعزلة والوحدة) وانعكاسه على الافراد، سواء تعلق الامر بالهوس الجنسي، او الشعور بالهامشية، او التمرد على حالة التهميش، او الانسياق خلف اوهام محاربة الامبريالية والصهيونية. لكن كذلك كيف تصنع ظاهرة (الجهاديين) من قبل قوي تريد استغلالها لتحقيق مصالح معينة؟ وما هو الدور (الخارجي) في صناعتها؟ وفي إطار الاجابة على هذه الاسئلة سوف ننظر الي أثر التهميش وعلاقته بالهوى الجنسي، والتهميش وظهور الصورة، واعداد المسلسلات التاريخية، والتهميش الغربي: الاسلاموفوبيا، والمهمشون، والتهميش من منظور سياسي معاد للغرب، والتهميش وتصدير المجرمين، ورجل المخابرات كجهادي. بات لبنان وحزب الله الذي يشكل راس الحربة في محور المقاومة والممانعة والذي تسيطر عليه إيران في المنطقة العربية هو التنظيم الاصولي والجهادي الذي تبلورت فيه كل هذه الاشكال من التهميش وسوف يتم نقاش أثر التهميش على كل نقطة على حده.

اولاً أثر التهميش: الهوس الجنسي. فربما ما يلفت هو موقع (الحوريات) في اشارات الكثير من الجهاديين، وما يلفت الخطاب الديني الذي يدعوا الي (الجهاد) سواء لدي الاصولية والجهادية السنة او الشيعة، وما يختزنه الخطاب الايديولوجي عند الاصولية والجهادية عموماً. سيبدو ان الخطاب الديني (الشعبوي) خصوصاً ذاك الذي يتلى كخطب يوم الجمعة، محملاً بالكثير من الاشكالية الجنسية؛ لأنه يتركز – هنا بالضبط – في غالبه. وهذا هو جوهر (الخطاب الاخلاقي) الذي يتضمنه، وهذا ملفت. لا شك في انه يدل على ازمة جنسية سواء عبر التحذير، او عبر الترغيب. ولهذا نجد بأن الحل يتمثل في (حوريات الجنة) التي اصبحت هي عنصر الترغيب. هذا ما يترك تأثيره على البيئات المغلقة والمحتقنة جنسياً؛ حيث الكبت الجنسي الذي يؤدي في حالات الي (زنا المحارم) او كما يسمي سفاح القربي، وانتشار اللواطة. لكنه يؤسس لحالة من الهوس الجنسي لدي قطاع كبير من الشباب المهمش. هوس يوصل الي التعلق ب (حوريات الجنة)، وهو ما يجعل الخطاب (الاصولي والجهادي) الذي يربط (الجهاد والاستشهاد) بحوريات الجنة مقبولاً، بل ومرحب به، وبالتالي يحول هؤلاء الشباب او الرجال الي استشهاديين.

نكمل: أثر التهميش: الهوى الجنسي. من منطلق العلاقة بين الاستشهاد وحوريات الجنة هنا يكون الاستشهاد هو الوسيلة لممارسة اللذة؛ حيث انه الطريق للوصول الي الاف الحوريات فائقات الجمال، كما يتصور في ذهن الاستشهادي، ويكون هنا الخطاب الديني الخاص بذلك هو التصعيد لحالة (الهوس الجنسي) الي مداه الأقصى؛ اي القتل او الموت. وهنا ليس مهماً المكان الذي يجب ان يستشهد فيه الشباب او الرجال، بل ان حالة الاستشهاد هي الامر الجوهري، استناداً الي فتوي شيخ الدين او الملالي. وهذا ما يطالب به اية الله خامنئي في خطبة الجمعة في تأبين حسن نصرالله امين عام حزب الله ووزير خارجيته عراقجي في زيارته الخاطفة الي لبنان أمس وذلك بالطلب من حزب الله ومن الدويلة اللبنانية في دولة حزب الله بالقتال والمقاومة وعدم اليأس. وهو ايضاً ما شهدناه في الحرب العراقية الايرانية في الجانب الايراني حيث زج بمئات الاف الشباب والرجال المفقر والمهمش في هجومات هي – في الواقع – انتحارية. وكانت صورة الحوريات ماثلة فيها؛ حيث كانت التعبئة الايديولوجية تقوم على هذه النقطة. ربما كان الامر مقبولاً من النظام الاصولي الايراني ان يدفع حزب الله والطائفة الشيعية وبالتالي الشعب اللبناني كما فعل في العراق الي المحرقة دفاعاً عن ذاته، او لتحقيق سيطرته على المنطقة عموماً (سيطرة اقليمية)، لكن لابد من لمس ان هؤلاء الشباب او الرجال الذين يضحي بهم هم من المفقرين والمهمشين، الذين فرض التفارق الطبقي من جهة، والحداثة من جهة اخري، عليهم التهميش بالمعني الاقتصادي والمعني النفسي معاً وهو التهميش الذي يؤسس لنشوء حالة (الهوس الجنسي). وكما تكررت قبل ذلك في تنظيم داعش والقاعدة في ظاهرة (الجهاديين)؛ حيث طرحت قضية ايديولوجية كبيرة مغلفة بالدين، وتتعلق بالصراع ضد الإلحاد، ومن ثم اقامة دولة الخلافة، في سياق الصراع السياسي الذي يخدم (مصالح) اخري كما بات يخدم في لبنان مصالح إيران في التفاوض على ملفها النووي مع امريكا واوروبا، وبالتالي أصبح الدين وفق منظور هؤلاء الذين يجندون الشباب والرجال يتمحور حول الجنة والحوريات؛ لكي يلمس هذا الهوس الكامن نتيجة التهميش والفقر. الامر – اذن – لا يتعلق بالدين، بل من جهة اخري برغبة سياسية ل خامنئي وعبر فتوي (القتال) وعدم (اليأس) كما صدرت في خطابه أمس في صلاة الجمعة. وهذا ايضاً يذكرنا ب فتوي الشيخ عيسى قاسم عندما قال من على المنبر في احداث البحرين (اسحقوهم). كل ذلك يأتي لتوظيف جهاديين او (مرتزقة) طالما ان إيران هي من يمول كما قال حسن نصرالله ان اكلهم واموالهم التي من دولة الولي الفقيه، اي في حرب مصالح ومن جهة اخري حل لحالة هوس جنسي لفئات مهمشة. والخطاب الديني (الولائي) هو اللاحم بين هذا وذاك، كما كان الخطاب الديني (الوهابي حصراً) في تنظيم القاعدة وداعش هو اللاحم بين هذا وذاك وهذا ينقلنا للنقاش في الفقرة التالية: أثر التهميش، ظهور الصورة.

النقطة الثانية التي يجب التركيز عليها هي (اثر التهميش، ظهور الصورة) ربما  ليس الهوس الجنسي هو كل ما يحرك قطاعاً من الشباب او الرجال المهمشين، وهذا صحيح ؛ حيث يتم لمس (اثر الصورة) ؛ حيث يؤدي الاهتمام (الاعلامي) ب الظاهرة، الي ان تصبح محط تأثير، خصوصاً اذا لمست واقع فئات اجتماعية، او اسست لما يعكس وضعها ؛ اي اسست للخروج من الهامش الي المتن من الهامشية الي مركز الاهتمام  (وهذا ما نشاهده اليوم في الحرب الدائرة في الشرق الاوسط) وتسليط قنوات بذاتها سواء كانت تابعة لدول او تابعة لما يسمي محور المقاومة والممانعة كما كان الحال مع القاعدة وداعش) حيث يصبح محور المقاومة والممانعة (صورة) تم النفخ فيها وتضخيمها كما كانت القاعدة وداعش من قبل. وهذه (الصورة) تتناقلها كل الاجهزة الاعلامية سواء كانت المقروءة او الموسوعة او المشاهدة او في العالم الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدث بها كل الراي العام العالمي وكل زعماء العالم، والتي تعطي الانطباع بانها حالة تمرد، أصبح مجال جذب لتلك الفئات المهمشة، والمصيبة لنخب يسارية؟! المأزومة، والمسحوقة. فهي بهذه النقلة تنتقل الي الضوء، وتصبح في مركز (الحدث) بعد ان كانت هامشية، في العتمة. هذه هي الحال حينما لحق اليسار الرائج بمن يقود (الثورة) في اثناء ما سمي بالربيع العربي كما شاهدناه فيما سمي بثورة 14 فبراير. كما كان حاله قبل ذلك ايضاً وكما هو الحال الان؛ حيث اندفع المهمشون لكي ينخرطوا في (الحرب ضد الامبريالية والصهيونية) وشعارات (الموت لأمريكا والموت ل اسرائيل)، فهم – بذلك – أصبحوا يعتقدون انهم قوة تأثير وفعل، وليس هامشاً مهملاُ. الاف من الشباب والرجال المهمش، والذي لا يعرف لا اليسار، ولا الثورة (وللأسف النخب اليسارية)، اندفع للانخراط في النشاط (الثوري) (المقاومة والممانعة)؛ ليظهر في (صورة) بطل ثوري وبطل مقاوم وممانع. وهو التعبير المقابل(للفرد) واليسار الرائج الهامشي الملقي في العتمة. الذي يعيش ازماته في ركن لا يلتف اليه أحد، او يعد أحد ان فيه أحد. (للأسف هذا حال اليسار البحريني اليوم). لقد بات في المتن في ظل الحراك السياسي في اثناء كارثة الدوار والان ايضاً في ظل الصراع الاقليمي والدولي في منطقة الشرق الاوسط، كما يري هذا اليسار نفسه في (المركز) مركز الحدث الذي يتناقله العالم كل لحظة، ويتم الاشارة اليه في كل وقت، ويتخوفون منه كحالة رعب. وهذه الفئات المهمشة واليسار المهمش بات ينخرط في العمل (الجهادي)، الذي بات هو الذي يستحوذ على كل اهتمام الناس، وأصبح مع انتشار الفضائيات والعالم الافتراضي في التواصل الاجتماعي يملا الشاشة في كل لحظة. يرتعب منه البعض، ويقدره البعض الاخر، ويتشكك فيه كثيرون أصبح العالم منشغلاُ به، في سياسة اسميت في فترة القاعدة وداعش (الحرب على الارهاب) والان (على محور المقاومة والممانعة الايراني واذرعه ووكلائه ومليشياتها)، وبات تنفخ وتضخم من هذا الخطر الي الحد الذي يجعل اي كان يعتقد بانه سوف يهزم (الامبريالية الامريكية) ويلغي (اسرائيل)من الوجود. وكل النظم، وكل القوي الجبروتية ودول الاستكبار العالمي ليقيم عند القاعدة وداعش (دولة الخلافة) وعند محور المقاومة والممانعة (الهلال الشيعي بقيادة دولة الولي الفقيه)، ربما ليس المهم هذا هنا، هاذين الهدفين الاخيرين بالنسبة لذاك الهامشي ربما، لكنه حين ينخرط في (الحدث) يعتقد بأنه اصبح في مركز (الصورة)، وفي المركز الذي يخيف كل هذا العالم الذي كان يخيفه (لهذا كنا نسمع عند اليسار المقاوم والممانع انه تم كسر حاجز الخوف) وانهارت قوت الردع والتفوق لدي الاخر الذي كان يخيفه ويزدريه، ويلقي به في (القرون الوسطي).

(الصورة) هنا هي العنصر الجاذب، هي فعل التأثير في فرد هامشي (او يساري هامشي) يعيش في عزلة وتوتر وفقر، ولا ثقافة. هي فعل التحويل من الهامش الي المتن. لقد أصبح هؤلاء قوة تأثير، وتخويف، وبات لديهم عند القاعدة وداعش قدرة البناء، لكن بناء (دولة الخلافة) كما يضنون. وهو كذلك عند محور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران قدرة بناء مليشيات ووكلاء وأذرع ذات بعد طائفي ولائي لإيران من اجل تنفيذ مشروعها عبر التوسع والنفوذ والسيطرة على كثير من الدول العربية. هنا انتهي التهميش بالنسبة لهؤلاء المهمشين او اليسار الممانع والمقاوم الداخلي في سياق الفعل الموضوعي، انتهي (العدم) الذي يتلبس الفرد (او اليساري) لمصلحة كما يضن وجود فعلي، لكنه كما كان عند القاعدة وداعش يحمل اوهام اللاهوت التي تلقنها من (امير) عند القاعدة او داعش، او من (اية الله) عند محور المقاومة والممانعة. حيث يتم تكرير بشكل سيئ فتاوي عند القاعدة وداعش ابن تيميه، او ابن قيم الجوزية، او محمد بن عبد الوهاب (او اميره في التنظيم) كما هو الحال عند محور المقاومة والممانعة يأخذ فتاوي من المرشد الخميني وخامنئي او (الملا) الذي يقوده. وهي كلها ساذجات، وافكار سطحية، (عامية) تدعي الجهاد في سبيل الله، لكنها بالنسبة لهذا المهمش او اليسار المقاوم والممانع تمثل لهم ذخيرة فكرية هائلة القوة. فهو هامش الهامش فيما يتعلق بالمعرفة، وحتى في هامش (الوعي التقليدي). فهو أصبح يدعي انه (يعرف)، وهذه نقلة كذلك من الهامش الي المتن. اذن (الصورة) هي التي تحدث هذه النقلة لفئات (خارج التاريخ)؛ لكي تصبح (صانعة التاريخ) كان يمكن ان يكون لها ذلك حينما كان اليسار في البحرين هو الذي يلعب الدور المحوري، الذي كان يجعله في مركز الحدث، نتيجة الوعي العام الذي تقيمه وتقدمه المنهجية العلمية وجوهرها الجدل المادي والجدل التاريخي. لكنها هنا عند القاعدة وداعش يفضي الي (الفكر الوهابي) وعند محور المقاومة والممانعة والذي يدعمه هذا اليسار المقاوم والممانع يفضي (الي الفكر الولائي وولاية الفقيه) الي ان يتحول هؤلاء الشباب والرجال (واليسار المقاوم) الي فعل تدميري، الي قوة قتل وتفكيك وتدمير، في سياق سياسات، لا يعرف هؤلاء، عنها شيئاً، ولا تستطيع مخيلتهم (تصورها) ورؤيتها: لأنها لا تزال في الهامش.

النقطة الثالثة التي سوف نناقش هنا هي أثر التهميش، المسلسلات والافلام التاريخية.

من الملفت للنظر ان اي متصفح العالم الافتراضي وعبر الانترنت سوف يشاهد الحجم العائل من الافلام التي تعيد صياغة شخصيات تاريخيه مقدسة سواء كانت من الجن او البشر ويتم اخراجها بشكل دنيوي (ملموس)؟! وكذلك المسلسلات التاريخية التي تعيد توثيق التاريخ من وجهة نظر لاهوتية وطائفيه او قبلية الخ. ولا شك في ان المهمشين سيرون في هذه الافلام وفي هذه المسلسلات التاريخية نموذجا خاصاً، فهذا التاريخ يقارب المرحلة التي يعيشونها؛ لأنهم لا يزالون في القرون الوسطي. ولهذا من الطبيعي ان يأخذ هؤلاء المهمشين ثقافة وشكل وبيئة هذه المسلسلات والافلام؛ لكي تصبح هي المثال الذي يريدون تطبيقه. فهي تظهر هؤلاء الذين يعيشون كل ذلك (التخلف) (رغم انه لم يكن تخلفاً حينها مثل المعجزات والكائنات الخرافية الخ) التي تصنع كل هذه المعجزات الما فوق انسانية.، وبالتالي يقدمون لهذا المهمش الثقة التي تجعله، عبر تمثيل هذا الماضي، يصنع المعجزات الان. المقاربة الشكلية هذه هي التي تدفع هؤلاء الي تمثل الماضي وتمثيله، عبر محاولة فرضه في الواقع الان. بالتالي دون حساب للزمن، والفارق الحضاري بين ذلك الزمن ونحن الان. بالتالي الانطلاق من ان هذه الافلام والمسلسلات التاريخية هي محاولة لتوضيح الماضي وان بشكل معجزات، وليست مشروعاً للراهن والمستقبل، محاولة لإظهار شكل الماضي، وربما تقدم بعض العبر، لكنها ليست الصيغة التي يتطلبها الحاضر. لكن (التكوين القروسطي) الذي يلف المهمش، بلا ثقافة او منظور   يتجاوز ذاك الذي تشكل بعيد انهيار الامبراطورية الاسلامية، يجعل من ذلك التاريخ الذي تعرضه الافلام والمسلسلات التاريخية ملهماً، يجعله كما تمت الاشارة (المثال) الذي يجب ان يفرضه المهمش، بوعيه هو وتكوينه وهامشيته. ولكي يحقق ذلك ينخرط في (الجهاد) الذي يتخيل انه هو التاريخ الاسلامي ذاته او تاريخ الطائفة ذاتها الذي يراه او يراها في المسلسلات التاريخية. بهذا يصبح تقبله للمنظومة الايديولوجية التي تعممها القوي (الجهادية) (القاعدة داعش محور المقاومة والممانعة) متحققاً، خصوصاً وأنها لا تقدم الا ما يطابق ذاك (العقل) القروسطي؛ لان كل (الفتاوي المستخدمة) هي نتاج هذا (العقل) أصلاً، هي مبسطة وسطحية، وحماسية، وتنفيذية. وبالتالي تطابق مقدرة الفرد الهامشي. وبهذا فهو يحصل على شكل، يستمده من الافلام والمسلسلات التاريخية، ومضمونه يقدمه (شيوخ وامراء) عند القاعدة وداعش (و آية الله وملالي) عند محور المقاومة والممانعة. معتمداً فتاوي الخميني وخامنئي. ومستنداً اليها؛ ليقيم في الواقع ذلك الشكل الذي راه في الافلام والمسلسلات التاريخية سواء في الملبس، او في شكل السلطة، او في استخدام الادوات القديمة، والعقوبات القديمة. يأخذ شكل (الفاتحين، او لباس الخليفة او بساطة الشكل او بساطة العيش والزهد عند الملالي) (الصورة التي تخفي جوهر الثراء والبحبوحة) حتى (الراية)التي كان يستخدمها داعش التي ترافق غزواته، استخدم اللغة الفصحى التي ترد في المسلسلات التاريخية، وربما كان يبحث عن شكل البيوت التي كانت موجودة حينها لو لا توفر البيوت القائمة، وربما كان يميل الي استخدام الاحصنة والجمال بدل سيارات الدفع الرباعي (والغريب ان هذه التنظيمات تستخدم – فقط – هذا النمط من السيارات). وكذلك فعل الملالي في إيران برفع الراية الحمراء في وسط إيران كإعلان حرب كما كان يفعل في الماضي. لنعيش مسلسلاً جديدا.، لكنه هذه المرة ليس تمثيلياً. بل ان الممثلين هم من فئات مهمشة. وفئات من الملالي في محور المقاومة والممانعة كما كان قبلهم القاعدة وداعش رجال دين وامراء دين. كلها زحفت؛ لكي تمثل في الواقع ما رأته في المسلسلات وهي تسعي، كما يفعل الممثلون، لكي تعلي (راية الاسلام) عند القاعدة وداعش و(راية الحسين) عند محور المقاومة والممانعة – الايراني. وتقيم دولة الخلافة عند داعش ودولة الولي الفقيه عند محور المقاومة والممانعة. لكن هذه المرة أصبح المسلسل من دم الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري واليمني، وفعل أفضى لتدمير غزة والان لبنان وكذلك سوريا واليمن، وهو فرض ماض تلاشي على واقع جديد، الامر الذي يؤدي الي تفكيك الحاضر وتدميره؛ لكي يفسح المكان لهذا المسلسل الجديد (يسمي بمشروع المقاومة والممانعة) اي لكي يستوعب (حضارة) تجاوزها الزمن بعمر طويل، وعبر تراكم معرفي ومجتمعي، جعلها تبدو لقرون خاوية وجاهلية بعيدة. (الصورة) هنا تحولت الي مسلسل، فلم والمسلسل والفلم بات ممارسة فعلية من اجل استعادة التاريخ الذي كان صورة، وبات يحتاج الي كل هذا العنف والتدمير لكي يتحول الي واقع.

سوف يتم تناول هنا مسألة إثر التهميش في المهمشون.

ان حالة التهميش والفقر كانت توجد حالات (انحراف) اجتماعي مثل الميل الي الجريمة والتحلل والهروب نحو الادمان سواء عبر المنشطات او المخدرات. ولقد ظهر ان كثيراً ممن يلتحق (بالجهاد) هو من هذه الفئات وبالذات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز نظام الولي الفقيه وتصديره للثورة الخمينية وما لحقه من وجود القاعدة في افغانستان والتي خاضت الحرب ضد كما تسميه الإلحاد. في ردة الفعل هذه اندفع الكثير من المهمشين وحتى اليسارين كل حسب طائفته الي التنظيمات الاصولية والجهادية كبديل للتنظيمات اليسارية العلمانية والديمقراطية. حيث تأسلمت وتسنن وتشيع والتحق ب(الجهاد). وهذه الظاهرة تبلورت أكثر في ظل ما سمي بالربيع العربي وكذلك في ظل الصراع الحاد في منطقة الشرق الاوسط حالياً. واصبحت تلحظ بشكل مستمر في ظل تبلور محور المقاومة والممانعة الاصولي الجهادي وتلاحمه مع الاخوان المسلمين في هذا المحور الذي تقوده الدولة الثيوقراطية الاستبدادية إيران، ليبدو هذا الميل عند المهمشين هو شكل الانتقام من البيئة التي دفعت الي التهميش او حتى من المجتمع او حتى من اليسار الذي كما راه هذا اليسار المتأسلم (الشيعي / السني) انه جرهم لتنظيم اليساري والذي فشل مع فشل تجربته بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز محور المقاومة والممانعة والقاعدة وداعش. ويكون هنا (الدين) – هو المبرر الايديولوجي لممارسة هذا الانتقام، وبالتالي ليست سمة (التدين)(اصيلة) في هذا النمط من (الجهاديين). لقد ظهر ان كثير ممن التحق سواء بتنظيم القاعدة او بعدها داعش. وكذلك ممن التحق بمحور المقاومة والممانعة هم من الفئات التي (انحرفت) فيما يخص القاعدة وداعش اي التي عاشت حياة الجريمة والحشيش والبنتاغون والجنس. الذي كما يبدو عملوا على استغلال الظاهرة، او الاندفاع الي الجريمة بشكل جديد، يتخذ طابعاً دينياً، بالتالي ليبدو مبرراً نتيجة ذلك وكذلك فيما يخص محور المقاومة والممانعة سواء الذي أنظم اليه من اليسار الطائفي (الشيعي / السني) او المهمشين لكي يجدوا فيه ذاتهم بعد الانكسار والاحباط والياس الذي اصابهم بانهيار تجربتهم الاشتراكية؟ لقد عملت بعض النظم على ارسال (مجرمين) جهاديين – مقاومين ممانعين كما تمت الاشارة، لكن كان العديد من الفئات المهمشة التي انحرفت في طريق الدعارة والحشيش، والجريمة سواء عبر مافيات لتهريب المخدرات والمنشطات او غسيل اموال ينخرط في هذه التنظيمات، وهذا امر يشير الي فعل التهميش ذاته، الذي يدفع الي الجريمة بغض النظر عن الشكل الذي تتخذه. وهذه مسألة بحاجة الي تحليل نفسي، وليس الاكتفاء بتحليل سوسيولوجيا فقط او ديني كما يقال ان هذا المهمش لديه نقص في الوازع الديني؟، فهي فئات مهمشة، انحرفت نحو الجريمة، ولكن؛ يبدو انها تريد تغطية ذلك بمنظور ديني؛ لكي تبرز لذاتها ممارستها تلك. وربما يسمح الانخراط في تنظيم القاعدة او داعش او محور، محور المقاومة والممانعة بات هو المستهدف عالميا.، بما يعنيه ذلك من التركيز الاعلامي الهائل والاهتمام العالمي، بأن تمارس (الجريمة) هذه المرة في شكل (مقدس)، بالتالي مبرر، ومشرع ويحظى بتأييد ديني. فيصبح ما هو مرفوض اخلاقياً وقانونياً مقبول دينياً. وهذه تغطية على ممارسة الجريمة بحجة الدين. وهذا ما يدفع كثير من الذي يعيشون حالة (انحراف) اجتماعي الي الإنظمام الي هذه التنظيمات الاصولية والجهادية، من تنظيم القاعدة الي داعش الي محور المقاومة والممانعة.

أثر التهميش الغربي (ما بين الاسلاموفوبيا / والمنظور السياسي المعادي للغرب).

قد يقول البعض انه لا يوجد في الغرب مهمشين، ولكن من الواضح ان هذه الدول الاوروبية، وكندا، وامريكا. تشهد مهمشين عرب، تاريخياً كانوا من الجاليات المغاربية خصوصاً، وبعد الربيع العربي والنزوح الذي حدث نتيجة حرب النظام السوري على شعبه وكذلك حرب الاحزاب الشيعية العراقية على الشعب ادت الي نزوح اعداد كبيرة الي اوربا وكذلك الي تركيا وبقية الدول العربية الأخرى. تاريخياً لقد فرضت حاجة اوروبا المانيا وكذلك كندا استقدم جزء كبير من العمالة النازحة من الدول التي تجري فيها حروب على الهوية. كان الامر في البداية هو مجرد جلب عمالة للقطاعات الخدمات التي كان لدي هذه الدول نقص فيها وللبناء. ولكن بعد ان تحقق البناء، واخذت الازمات الاقتصادية تفرض تشغيل المواطنين وخصوصاً مع تداعيات الازمات الاقتصادية والتي فرضت تشغيل المواطنيين وليس الاجانب، اولاً جري اهمال هؤلاء من حيث التعليم والعمل والخدمات والصحة الذي اوجد الضواحي المفقرة والمهمشة ؛ حيث البطالة المرتفعة والفقر وضعف الخدمات، والتهميش الثقافي، مما جعل الضواحي تعيش بيئة (الوطن الإصلاحي) ثانياً تبلور يمين قومي معادي لهؤلاء النازحين والمهجرين في كل دول اوروبا وامريكا مطالباً بإرجاع هؤلاء النازحين والمهجرين الي بلادهم وحدث ذلك ايضاً في تركيا وحتى في لبنان قبل بما يخص الشعب السوري …. الخ. وثالثاً مع تصاعد الازمات الاقتصادية في البلدان الاوربية، زاد الضغط على هؤلاء فأصبح (الخطاب الاعلامي) والحكومي يركز على انهم اجانب طارئون ويجب ترحيلهم حتى ولو كان الي روندا. وان الازمة الاقتصادية ونقص فرص العمل هي نتاج وجود هؤلاء. بالتالي تصاعد الخطاب العنصري ضدهم محملين ازمة المجتمع بأكمله، رغم ان الرأسمالية هي سبب نقص العمل، وانخفاض فيه، بهذا باتت الضواحي مفقرة وتشهد تزايد اعداد العاطلين عن العمل وكذلك التهميش في الخدمات والتعليم. وهو وضع كان يظهر السحق الطبقي الذي يعانيه هؤلاء، رغم انهم باتوا يحملون وزر نفس العمل وتراجع الاجور. وكان يظهر (الفارق الثقافي) واضحاً على ضوء ذلك، فهذه الاحياء متجانسة عموماً، لها ثقافتها و (دينها) وتقاليدها، في مواجهة مجتمع مفتوح، متحرر، بثقافة اخري وتقاليد مختلفة. لكن الاخطر ظهر بعد اذ، حين اصبحت (الحرب على الارهاب) تعني الحرب (ضد الاسلام)، وهنا كانت التربة التي انتشر فيها (الاسلاموفوبيا)؛ لقد بات ينظر الي هؤلاء من منظور (ديني)، على انهم مسلمون متعصبون، وارهابيون. بهذا كان يظهر التهميش الاقتصادي، والثقافي والجنسي، والديني؛ ليميل قطاع من الرجال والشباب والنساء الي التعصب الديني، والنظر الي كل هذا التهميش من (المنظور الديني)، الضيق، ومقابل (حضارة الغرب) بات يسعي لبناء (حضارة الاسلام)، وفي مواجهة التعصب القائم بات يتعصب دينياً ضد هذه المجتمعات. لهذا استهوي قطاع من الشباب والرجال والنساء التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم القاعدة وداعش ويليهم محور المقاومة والممانعة بعد ان أصبحوا (نجماً) اعلامياً ومسلسلاً مستمراً وقوة كان يبدو انها معادية للغرب، كما يقول خطابها على الاقل. وهذا ما فرض انخراط مئات او الاف من الشباب والرجال والنساء في هذه التنظيمات الاصولية والجهادية ومحور المقاومة والممانعة – حيث بات هذا المحور الممانعة والمقاومة بقيادة إيران هو هذا (النجم) الان.

هنا يتم نقاش أثر التهميش من منظور سياسي معاد للغرب بعد كل الاسباب التي ذكرت في الحلقات السابقة، التي تأسست انطلاقاً من واقع التهميش الذي تعيشه فئات في (العالم الاسلامي)، وحتى لدي المسلمين في الغرب؛ حيث كان الفقر والهامشية الثقافية عنصرا الانخراط في هذا الشكل من التنظيمات الاصولية والجهادية، سوف يتم الاشارة الي عنصر اخر، سياسي هذه المرة. لا شك في السيطرة الامبريالية واليمين المتطرف الصهيوني كانت تحرض الشعوب ضدها. ولهذا نشأت (المقاومات)، مع اختلافها عن شكل المقاومة في فلسطين والتي كان من المفترض ان تكون مقاومة تأخذ الشكل المدني عبر التظاهرات والانتفاضات (كانتفاضة الحجارة) …الخ ولكن الذي حدث ان كل هذه (المقاومات) سواء كانت لدي القاعدة، داعش محور المقاومة والممانعة بدي ان مواجهتها كانت تنطلق من منظور (ديني) اولاً كون الامبريالية الامريكية (دولة مسيحية) وكون اسرائيل (دولة يهودية) هذا ما اشار اليه بن لادن، وتحدث به خطاب تنظيم القاعدة: الغرب الصليبي وبالتالي كان يجري الانخراط في الصراع ضدها. انطلاقاً من ممارستها، لكن التي باتت تعلل بانها نتاج الطابع الديني لها. وكذلك فعل محور المقاومة والممانعة الايراني. علاوة على ان هذا المحور كان ينطلق من البعد الطائفي الشيعي في توسعه واحتلاله لكل الدول العربية التي فيها مكونات طائفية (لبنان، اليمن، العراق، سوريا). رغم ان الدول الغربية هي دول علمانية، وليست معادية لاي دين. هذا الخطاب سيطر بعد تشكيل تنظيم القاعدة بداية التسعينيات القرن الماضي، وظهورها (كقوة) تحارب امريكا بعد العالميات التي قامت بها في مركز التجارة العالمي سنة 1994، وضد السفارات الامريكية في افريقيا. لقد بدا ان تنظيم القاعدة ومن بعده داعش ويليهم محور المقاومة والممانعة بقيادة إيران انه تشكل خصيصاً وتحت شعار (الموت لأمريكا والموت ل اسرائيل) للصراع ضد امريكا واسرائيل. وحري تفسير التحول الذي طال (جهادي القاعدة) الذين كانوا في صف الايمان ضد الإلحاد، بأنه انقلاب نتيجة اختلاف المصالح حيث استغل هؤلاء امريكا لهزيمة السوفيت في افغانستان، ومن ثم انقلبوا لهزيمتها هي اي امريكا. طبعاً هذا تفسير ساذج، لان الذي سوف يكشفه هو دور المخابرات في صناعة الظاهرة. فهؤلاء (المجاهدون)، ليسوا بهذه الحنكة أصلاً.

لقد ظهر ان التنظيمات الاصولية والجهادية من تنظيم القاعدة الي داعش الي محور المقاومة والممانعة بقيادة إيران وكأنها تخوض الحرب ضد امريكا وإسرائيل. وأصبح ينظر لهم على انهم البديل عن اليسار الذي خاض صراعاً طويلاً ضد الامبريالية الامريكية، وهزمها في فيتنام ومناطق اخري. ولم يكن بلا معني ان تعمم صورة بن لادن في هيئة صورة جيفارا، وهذا الامر كان مقصوداً، ومدبراً. وبهذا باتت جموع من الشباب والرجال والنساء تنخرط في الحرب ضد (الغرب) او ضد امريكا فباتت هذه التنظيمات محط فئات من الناقمين على امريكا، والذين يريدون هزيمتها، ولا شك ان الأسلمة العامة التي كانت تحدث خلال العقود الماضية، وتراجع دور اليسار سواء ضد النظم او ضد الدولة الصهيونية او ضد امريكا، في مقابل تصاعد دور الاسلاميين سواء ضد النظم (تنظيمات الجهاد التي انخرط كثير من اعضائها في تنظيم القاعدة ومن ثم داعش)، او ضد الدولة الصهيونية (حماس الجهاد الاسلامي) وتلاهم  ذلك ما سمي بمحور المقاومة والممانعة المزيف ذي  البعد الطائفي. كل هذه العناصر كانت تهيئ؛ لان ينخرط متدينون وطائفيين (او حتى من لم يكونوا متدينين) في هذه التنظيمات الاصولية والجهادية. وإذا كان انهيار الاحزاب اليسارية والقومية، وانهيار التعليم، قد اسسا لغياب الوعي السياسي، وللسياسة بشكل عام، وحتى الثقافة، فمن الطبيعي ان يكون (الوعي التقليدي) الذي يتخذ مسحة دينية، او يقوم على الدين (مع الانغلاق الذي شهدته المنطقة) هو الذي يسيطر على قطاع من الشباب والرجال والنساء المفقر والمهمش الذي يريد قتال امريكا. وهؤلاء هم الذين استهواهم الصراع ضد امريكا (مع انهم لا يفقهون معني الامبريالية) ولا (الصهيونية)؛ ليكونوا من المنخرطين في (الجهاد) هنا كانت (المسألة الوطنية) هي المعبر الذي تم استغلاله والذي اوصل هذه القطاعات الي (الجهاد)، كما اوصلتهم من التدين الشعبي الي الاصولية بشقيها (الوهابية / الخمينية) رغم ان هاتين الاصوليتين لا تعترفان بالوطن، بل بالإسلام، وبديار الاسلام وهدفها اما دولة الخلافة او دولة الولي الفقيه، وليس هزيمة امريكا. وهذا الامر هو الذي يجعلها تذهب بعيداً عن فلسطين، ولا تعد انها قضيتها الا من باب الحرب الدينية، لأن اولويتها عند القاعدة وداعش هي (قتال المرتدين والمنافقين، اولويتها قتال (الروافض والمنافقين والملحدين والمارقين) وعند محور المقاومة الايراني هو اخضاع القضية الفلسطينية لتكون جزء من توسع النفوذ والهيمنة الايرانية على العالم العربي وضمن بعد طائفي (شيعي) ضد العرب اليزيدين). وبالتالي يمكن القول بأن ظهور تنظيم القاعدة وداعش ومحور المقاومة والممانعة كقوي تحارب امريكا قد اسس لاجتذاب فئات معادية الامبريالية، وصهرها في بنية ايديولوجية اصولية / طائفية مغرقة في تخلفها، وربما هذه المسألة اثرت على الفئات التي تم الاشارة اليها قبلاً. ولكن ما يراد قوله هو ان السبب المباشر لانخراطها هو ذلك المشار اليه نتيجة التهميش المجتمعي. وهذا ما يفسر تحولها للصراع مع مجتمعها اولاً، وليس مع امريكا كما حدث في العراق وسوريه ولبنان واليمن والبحرين الخ، وليس مع امريكا، او الدولة الصهيونية (التي بدت في تلك الفترة خارج كل حسابات تلك الجماعات الا على مستوي الشعار محاربة دولة الاستكبار والموت لأمريكا والموت لإسرائيل). وسنلمس هنا ان (منظري) هذه الجماعات يؤدلجون الامر من خلال بأولوية (تنظيف البيت) من الملحدين والمارقين والفاسقين، وبعدم تمكين حكم غير المؤمنين للمؤمنين، على اساس ان الصراع مع امريكا او اسرائيل سيكون بعدئذ. وهذه (فتوي) خطرة؛ لأنها حولت فعل شباب بسيط، يريد الصراع ضد الامبريالية الي (شرطي قتل) محلي، مهمته (اقامة الشريعة) وفرض الحد وقتل (الاقليات الدينية والطائفية)، وكل (الملحدين المارقين). وهي السياسة التي اسست لتفكيك وتفتيت المجتمعات، وتحويل الصراع ضد كل قوي التحرر والتطور والحداثة. ونحن نري اليوم كيف تم اقتلاع وابادة شعوب عربية من الحياة، فقط من اجل اجندة إيران ومحورها الذي يسمي بالمقاومة والممانعة والذي تقوده الدولة الدينية ومشروعها القروسطي الظلامي الطائفي.

في ظل بلورة مليشيات او تنظيمات اصولية جهادية فيما سمي بمحور المقاومة والممانعة او قبلها القاعدة وداعش، كل ما تم الاشارة اليه سابقاً يتعلق ب (اندفاع ذاتي) لدي فئات اجتماعية وهذا جزء مهم من (صور الجهادي)، لكن لهذا (الجهادي) صور اخري عادة ما يجري اغفالها. فمثلاً دولة الولي الفقيه صرفت مليارات الدولارات على نشر الفكر الشيعي الخميني ونظرية الولي الفقيه في العالم وفي كل مكان تواجدت فيه الطائفة الشيعية، وحتى انها شيعت الكثير من شعوب مهمشة بالتشيع الخميني في افريقيا واسيا وغيرت التركيبة السكانية مثلاً في سوريا والعراق واليمن لصالح البعد الطائفي الشيعي المليشياوي الخ. اي قامت بدعم كل ملا او مجموعة ترغب في (التشيع الخميني) اي التحول الي المذهب الشيعي الخميني كما هو مطبق في إيران. كما طبعت الاف الكتب والنشرات التي تخدم هذا التوجه، فهي تعتقد بأن أفضل طريق لسد الباب على انتشار الفكر الحداثي وخصوصاً في إيران، وبقية الدول التي كان يوجد بها تاريخ طويل لليسار عموماً هو نشر التشيع الخميني وكما نشطت في الداخل بإجهاض كل الحراك السياسي اليساري بالعنف وبالقوة العارية، كما هو حالها اليوم بوضع اللوم على شماعة مجاهدي خلق انهم عملاء لأمريكا واسرائيل وهم الذين خططوا لاغتيال اسماعيل هنية. وهذا السيناريو نفسه الذي طبقته بعض الدول العربية فيما يخص القاعدة وداعش سابقاً. حيث نشطت بشكل كبير في هذا المجال منذ انزياح المد القومي، وسقوط النظم (الرجعية) والخوف من ان يصل الامر اليها. وتركز نشاطها أكثر بعد بدء انهيار (المشاريع القومية) وتفكك اليسار، وبعد ذلك تدفقت الاموال نتيجة التوافق مع الامبريالية الامريكية سواء في وقت اوباما او مع بايدن فعملت على تسليح ميليشياتها وأذرعها ووكلائها في كل من العراق، سوريا، لبنان، اليمن الخ. فارتأت ان عليها استغلال الظرف لتعميم التشيع الخميني كما فعلت قبلها بعض النظم العربية لتعميم الوهابية سابقاً، وتعزيز الاصولية في المجتمعات؛ كي لا تعود قادرة على النهوض، وطلب التحرر والحداثة؛ اي ان إيران الدولة الثيوقراطية عملت على استباق اي تطور بتفكيك المجتمعات على اساس طائفي، عبر تعميم الفكر الشيعي الخميني او كما كان سابقاً تعميم الفكر الوهابي. وقد دعمت هذا بإرسال مستشاريين وخبراء في الاسلحة والتخابر، كما ارسلت عبر حزب الله ومقاتليه حربة إيران في المنطقة خبراء ومستشارين ومقاتلين من هذا الحزب الذي سيطر على الدويلة في لبنان لصالح دولة حزب الله وكذلك دخل هذا الحزب لضرب الحراك السياسي الشعبي في سوريا. هنا سنلمس انها تدعم هذه الظاهرة (الجهادين وما يسمي بالمقاومين والممانعين)، ليس مالياً فحسب، بل كذلك بالأسلحة البالستية والفرط صوتيه (لمليشيا وليس للدولة ماعدا لبنان فحزب الله تحول الي دولة فيه وزارة مالية، وداخلية، وعسكرية واستخباراتية وقضاء الخ). ودعمتهم بالخبراء والمستشارين من الحرس الثوري وفيلق القدس. وهي كذلك تلقنهم الفكر الذي يعتنقونه، ويمارسون ويقاتلون على اساسه، والذي هو فكر معاد للمجتمعات، ويلعب دور تدميرها وتفكيكها وان تمظهر عبر البعد الطائفي، هذه عملية مستمرة منذ عقود ولا تزال حتى الان كما رأينا كيف ذهب عراقجي وزير خارجية إيران الي لبنان حزب الله وطلب منهم الالتزام بفتوي اية الله على خامنئي باستمرار القتال وعدم فك ارتباط غزة عن لبنان. وهذا رافد مهم من روافد تضخيم حجم (الجهاديين) لكن السؤال هو كيف يمكن ان يمارس هؤلاء ما يسمي بالجهاديين تحت غطاء الدين؟ اي وهم يغلفون كل ممارساتهم باسم الدين؟ وهل من الصعب ان ينتظم هؤلاء مع المخابرات الامريكية والاسرائيلية ذلك انهم يعترفون بأنهم ينتظمون في المخابرات الايرانية التي تم اختراقها من امريكا وإسرائيل؟

ضمن إطار ما يتم مناقشته من (صور الجهاد) سوف نري أثر التهميش في صناعة رجل المخابرات كجهادي. هنا سوف يتم لمس، ربما أخطر حلقة في تكوين (الجهاديين) وأخطر حلقة في (ارباك وتشويش التنظيمات الاصولية والجهادية والدول الداعمة لها). وهنا في هذا النقاش كما في كل الحلقات السابقة يتم الربط بين تنظيم القاعدة، داعش ومن بعدهم محور المقاومة والممانعة. والسؤال هنا هو هل يمكن لأجهزة الامن التي ارسلت كل هذه الاعداد من (الجهاديين) بالنسبة للقاعدة وداعش او (المقاومين) بالنسبة لمحور المقاومة والممانعة (وخصوصاً إذا اخذنا في الاعتبار ان حزب الله اللبناني قد توسع في جغرافية لينطلق من لبنان الي سوريه الي العراق وأخيراً الي اليمن اي كبر حجم التدخل الجيو سياسي مما يسهل الاختراق من قبل امريكا وإسرائيل). ربما يقول البعض ان الاجهزة الامنية الذين ارسلتهم للقتال ضد السوفيت الا تعمل على تنظيم افراد منهم؟ ثم ايمكن ان تقوم اجهزة المخابرات الباكستانية والامريكية بتدريبهم دون ان تخترقهم؟ اي دون تنظيم افراد منهم؟ هذه اسئلة ساذجة، لأنها تتجاهل طبيعة المخابرات وطبيعة نشاطها وهي أكثر سذاجة حين نلمس طبيعة (المجاهدين) او (المقاومين)، وأليات ارسالهم الي افغانستان، وماذا يعني ان تشرف على تدريبهم السي اي ايه. وبالتالي من السذاجة عدم توقع ان المخابرات التي ارسلت هؤلاء، والمخابرات التي تشرف على تدريبهم لم تنظم مفاصل في بنية تبنيها هي. ولا الشك ان اجهزة المخابرات هذه لم ترسل (عملاء) منها لاختراق هذا التنظيم (القاعدة – داعش) الذي تبنيه. وكما فعلت امريكا تفعل اسرائيل باختراق (مقاومي) حزب الله اللبناني وكذلك اختراق دولة الولي الفقيه إيران. وذلك راجع ان طبيعة هؤلاء (المجاهدين – المقاومين) التي تم الاشارة لها في الحلقات السابقة تسمح باختراق بنيتهم، كما تسمح بتنظيم افراد منهم بالضرورة. فهم فئات بسيطة، تعيش الماضي وتمتلك من السذاجة الكثير الامر الذي يسمح لأن (تضلل) او (تورط). اجهزة المخابرات ارسلت عملاء مدربين، وهؤلاء نظموا من بنية (الجهاديين) او (المقاومين) اخرين. هذا امر حقيقي، وليس نتيجة عقل مؤامراتي. والذي يؤكده دقة الضربات الاسرائيلية والامريكية لما يسمي بمحور المقاومة والممانعة فإضافة الي العنصر المادي هناك العنصر البشري الذي نجح في ضرب كل قيادات حزب الله بمن فيهم امينهم العام حسن نصرالله …الخ وكما شاهدناه مع تنظيم القاعدة وداعش سابقاً والذي نشره ضابط في السي اي ايه من امريكا، يشرح فيه كيف أصبح اميراً في (دولة الخلافة الاسلامية)؛ اي كيف تدرب على اليات هؤلاء، وكيف قرأ الوهابية (فالتنظير الاساسي وهابي) وكيف اتخذ اسماً لبنانياً. وإذا كانت امريكا، والمخابرات العربية قد اخترقت هؤلاء منذ البدء فقد وجد ان المخابرات الايرانية والسورية تخترقها كذلك. في سوريه هذا موثق في الاتهامات التي كانت تكال لدور النظام السوري في التفجيرات في العراق (تصريحات المالكي)، لكن ايضاُ في الشكر الامريكي للمعلومات القيمة التي قدمها النظام السوري (شكر بوش سنة 2004)، كما في سجن صدنايا؛ حيث اشار بعض الذين عايشوا هؤلاء الي الاختراق الامني السوري لهم. ولا زالت سوريه تلعب نفس الدور الان مع محور المقاومة والممانعة حتى إيران تتهمها بإعطاء معلومات عن الحرس الثوري الايراني والمليشيات الايرانية في سوريه. بالتالي ليس من الممكن ان تكتمل صورة (الجهادين) و (المقاومين) الا بتلمس دور اجهزة المخابرات المختلفة سواء كان عند القاعدة او داعش او عند محور المقاومة والممانعة. فهم من صنع الظاهرة بالنسبة للقاعدة وداعش منذ البدء خلال الحرب ضد السوفيت؛ حيث تم التدريب العسكري، وتمت الأدلجة، وكذلك تم الاختراق، وكذلك فعلت اسرائيل وامريكا في اختراق إيران ومليشياتها وبالذات حربة إيران في المنطقة حزب الله اللبناني. وخصوصاً ان هذا اهم عنصر في صورة المجاهدين والمقاومين، بالضبط لأن بساطة (الجهاديين) و (المقاومين) وسذاجتهم تجعل الاشخاص المدربين هم الاقدر على توجيه العمل وقيادته، والاقدر على (الفتوي) بما يخدم الهدف السياسي الخاص بالدولة التي يتبعها (المفتي) رغم ان الايديولوجية العامة التي جري بناؤها تسمح بالتوجيه ضد المجتمع بالأساس، وهذا ما تريده كل الاجهزة الامنية، والقصد هنا بالضبط التأكيد على اولوية الحرب ضد الاخر في البلد وكما نري الان ان الخوف الاكبر في لبنان هو نشوب حرب اهلية على  اساس طائفي وكذلك في ايران بدء الارتباك والشك في قيادات كبيرة مثل اسماعيل قائاني او مدير مكتبه بانه مخترق. وهنا مما لا شك فيه ان (تضخيم) و (نفخ) الظاهرة الجهادين او المقاومين بالنسبة لمحور المقاومة والممانعة وتعميمها بشكل واسع اعلامياً، كان يهدف الي ان تجلب الفئات المهمشة تلك؛ لكي تصبح اداة (مخابراتية) تحقق في الواقع اهم من كل عمليات التدخل الخارجي، بالقوة المسلحة، هنا لا نستطيع ان ننظر لهذه الظاهرة كظاهرة محلية فقط، بل لا بد من فهمها انطلاقاً من اليات تكوينها، والهدف منها ودور القوي الامبريالية وإسرائيل، ودور إيران في تشكيل هذا المحور المقاوم والممانع وكيف تم توظيفه.

لقد لعبت (الفتوي) دوراً مهماً في سواء في تحديد الدفاع او الهجوم، او صياغة التكتيك او الاستراتيجيا. وكما افتي حسن نصرالله بعدم فك الارتباط بين غزة ولبنان، وكما افتي على خامنئي بعدم وقف القتال حتى بعد الضربة التي تلقاها حزب الله ومعظم قياداته، وكذلك لا زال يفتي نعيم قاسم بعدم فك الارتباط بين غزة ولبنان، وشاهدنا بالأمس كيف تم اعادة إحدى فيديوهات لحديث حسن نصرالله عن الاستمرار في القتال (كفتوي سابقة من اجل الدفع المعنوي في عناصره). وهنا سوف نناقش كيف يتم (صناعة الجهاد والمجاهدين القاعدة داعش او المقاومين محور المقاومة والممانعة). ان متابعة (الفتاوي) التي جري ويجري الان تعميمها انطلاقاً من انها اساس لنشاط (الجهاديين) او (المقاومين) تظهر وكأنها متغيرة، وان هذا التغيير يعزي الي (تطور) في فكر التنظيم الاصولي الجهادي هل هو كذلك؟ ما يلاحظ هو عدم وجود سببية في الانتقال من فتوي الي اخري، والقصد هنا سببية (فقهية). مثلاً لقد خيضت حرب (المجاهدين) ضد السوفيت تحت فتوي تقول ب (تحالف الايمان ضد الإلحاد)، وقصد حينها التحالف مع المسيحين واليهود ضد الاتحاد السوفيتي. وقد جري تمديد هذه الفتوي من قبل جماعات الاخوان المسلمين؛ لتشمل (اليسار) عموماً، خصوصاً ان من افتي بذلك هو عبدالله عزام الاخواني الفلسطيني. وتحت هذه الفتوي تجمع الاخوان والسلفيون لقتال السوفيت في افغانستان، وظلت هذه (الفتوي) هي تحكم صراع هؤلاء الي حين انسحاب السوفيت من افغانستان. هذه فتوي واحدة استمرت لحقبة هي ترسم سياسة واستراتيجية هذه التنظيمات الاصولية والجهادية. تلاها (فتوي) اخري ولكن هذه المرة في ظل وجود تنظيم القاعدة تقوم على ان (الصراع ضد الصليبين واليهود)، وهذه الفتوي تنطبق الان على (محور المقاومة والممانعة وهو الصراع ضد امريكا وإسرائيل عبر شعار الموت لأمريكا والموت لإسرائيل)، اي هذه الفتوي عكس الفتوي السابقة (بتحالف الايمان ضد الإلحاد)؛ حيث ظهر ان معركة تنظيم القاعدة تتمثل في (ملاحقة امريكا في العالم قبل الاندفاع ل (ضربها في عقر دارها) في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001. وخلال ذلك جرت محاولة ضد برج التجارة العالمي سنة 1994 كانت فاشلة، كما جري ضرب سفارات امريكية في افريقيا الي ان حصلت (بيرل هابر) جديدة ضد برج التجارة العالمي – 2001، التي كانت مدخل انتقال امريكا من الدفاع الي الهجوم، فكان احتلال افغانستان والعراق، وارهاب العالم. والآن سنرى نفس هذا السيناريو مع محور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران عبر مليشيات وأذرع ووكلاء لها في أربع دول عربية العراق، سوريه، لبنان، اليمن. التي صدرت فتوي – دينية، وعبر وحدة الساحات والجبهات بشن حرب دينية / وذات بعد طائفي تحت شعار تحرير القدس وشكلت فيلق اسمي بفيلق القدس والطريق الي القدس الخ والهدف هو لاحقاً الاعلان عن دولة الولي الفقيه التي تمتد من إيران الي العراق الي سوريا وفلسطين ولبنان فيما سمي بالهلال الشيعي، ومن ثم تذهب الي الانظمة التي تسميها الزيدية السنية الخ. ولكن الذي يحدث الان هو العكس ان امريكا وإسرائيل تقوم بتقطيع هذه الاذرع التي سمحت لها بالتبلور وسكتت عنها في العقود الاخيرة. سنلمس هنا كيفية الانتقال من التحالف الي التضاد، ومن (تحالف الإيمان) اي (مع المسيحين واليهود) الي الصراع ضد (الصليبين واليهود) هل في ذلك منطق؟ قيل ان هؤلاء (المجاهدين عند القاعدة وداعش) و (المقاومين محور المقاومة والممانعة) بعد ان خدموا السياسة الامريكية لهزيمة الاتحاد السوفيتيين انقلبوا على (الامريكان واليهود) ربما، لكنه انقلاب (بهلوني)، لا يتحقق من قوي اصولية متشددة في اصوليتها. فهي لا تملك البراغماتية التي تسمح بذلك، ولا المرونة التي تسمح بقبول التحالف مع (عدو) ضد عدو اخر، الاصولية لا تسمح بهذه المرونة والا لا تعود اصولية متشددة.

مسألة الفتاوي.

كيف نلمس نتائج كل الفتاوي التي ذكرت في الحلقة السابقة؟ وإذا اخذناها بالتسلسل بعد افغانستان اتي (الزحف الجهادي) الي العراق عن طريق إيران، وبمعرفة وحماية إيران. وكذلك ببقاء قيادات من القاعدة وعائلات ل (جهاديين) في إيران، بمعرفة وحماية ايرانية. لكن ماهي (الفتوي) التي نشط ابومصعب الزرقاوي (قائد الحملة) على اساسها؟ ما أعلنه الزرقاوي هو ان قتاله هو ضد (الروافض والمارقين والملحدين والكفرة)؛ اي ضد الشيعة بالأساس، وانطلق من ان الصراع الاساسي الذي تفرضه (الشريعة) هو ضد الشيعة. لهذا كان جل نشاط مجموعته هو من اجل تفجير الحسينيات وبيوت العزاء للشيعة، وكان هذا معلن في كل فيديوهات التي كانت تنشر في تلك الفترة. بعد مقتل الزرقاوي، اختلف الامر لدي تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين؛ حيث انتقل من التنظيم الي الدولة؛ هنا كانت (الفتوي) هي (اقامة الدولة الاسلامية)، وبات اسم التنظيم هو (دولة العراق الاسلامية) وحد حدودها على المنطقة (السنية) من العراق فقط، حتى بغداد؛ حيث كانت امريكا تقيم الاسوار الفاصلة بين السنة والشيعة. لقد باتت الاولوية التي تبررها (الفتوي) تقوم على اقامة الخلافة. فما هي علاقة هذه (الفتوي) بتلك التي اعتبرت ان اولوية الصراع هي ضد الشيعة؟ كما تم الحديث سابقاً لا علاقة (فقهيه) هنا وهو انتقال بهلواني كذلك. فالاحتلال الامريكي كان يسيطر على (المنطقة السنية) كذلك، وكانت المقاومة العراقية تتمركز في هذه المنطقة بالذات بعد كبح اندفاع مقتدي الصدر المناهض للاحتلال. ولهذا بان الصراع يتحول من (مقاومة الاحتلال) الي الصدام مع (الدولة الاسلامية)، ومن ثم ينشط جزء منها؛ ليتحالف مع الاحتلال ضد الدولة الاسلامية، وسيتم ملاحظة ان الدولة الاسلامية اخرجت كل (المنطقة الشيعية) (اساس الفتوي الاولي) من صراعها، ولم يعد الصراع هو ضد (الروافض الشيعة) بل بات الصراع سنياً الدولة. سنلمس بالتالي ان الصراع انتقل من (مواجهة الإلحاد) الي (مواجهة الصليبين واليهود)، الي (مواجهة الروافض)، ومن ثم؛ الي (مواجهة السنة) لفرض دولة اصولية عليهم، وردعهم عن قتال الاحتلال. وإذا كان تنظيم داعش هو الاستمرارية لتنظيم دولة العراق الاسلامية فقد انطلق بعد ان تمدد الي سوريه من (فتوي) اخري، لقد انطلق من (فتوي) اولوية الصراع ضد المرتد على الكافر. ويعيدنا هذا الي حرب ابوبكر الصديق ضد المرتدين، بالتالي ليكون كل السنة مرتدين الا من بايع (الخليفة) فالحرب هنا باتت ضد (السنة) وليس ضد الكفرة والروافض. وكذلك يفعل ما يسمي بمحور المقاومة والممانعة وينسج على منوال القاعدة وداعش بتحول الصراع ليكون صراعاً دينياً بين هذا المحور المقاومة والممانعة وامريكا وإسرائيل على مستوي الشكل فقط وليس الجوهر فهو قبل هذا الصراع الحالي قد هيمن وسيطر على أربع دول عربية وجعلها شوكة في خاصرة بقية الدول العربية وان كان تحت (شعار الموت لأمريكا والموت ل إسرائيل) وانتقل الي ان الصراع الاساسي هو ضد الدول السنية الزيدية. الان سوف نلمس نتائج كل (فتوي) فقد انهزم السوفيت على ضوء الحشد (الجهادي) والدعم المالي من بعض النظم العربية والاستخباري العسكري الباكستاني الامريكي. كما قادت (الحرب ضد المسيحيين الصلبيين واليهود) خصوصاً ضد برج التجارة العالمي الي احتلال افغانستان والعراق، والي انتشار عسكري امريكي، لا سابق له. وكانت الحرب ضد (الروافض) قد افضت الي الحاق (الشيعة العرب) بالمجموعات الطائفية الشيعية التي ربتها إيران، وحولتها الي قوة عسكرية، وانقسام العراق طائفياً؛ حيث ردت تلك المجموعات طائفياً ضد السنة، وبات العراق منقسماُ على اساس طائفي.

فقد دفعت الحرب (السنية) التي كان يخوضها تنظيم قاعدة الجهاد الي رد شيعي، جعل المجموعات الطائفية الشيعية التي تدربت في إيران هي المسيطرة في البيئة الشيعية. ومن ثم؛ ادت (الفتوي) ب (تطبيق الشريعة) من خلال اقامة (دولة الخلافة) الي الصدام مع المقاومة العراقية، وتفكيكها، ومن ثم هزيمتها. في سوريه كانت (فتوي) قتال المرتد الي الحرب ضد بيئة الانتفاضة السورية بالأساس، والسيطرة على المناطق (السنية) التي خرجت عن سلطة النظام السوري. وكما نشاهد اليوم ان (فتوي) وحدت الساحات والجبهات المليشاوية ضد إسرائيل بين حزب الله اللبناني وانصار الله اليمني والحشد الشعبي والاحزاب الولائية في العراق وزينبيًن وفاطميون في سوريا والتي بدأت من غزة حيث بقت حماس في التاريخ وخرجت من الجغرافيا وضاعت غزة مثل ما ضاعت القدس، وانتقلت الي لبنان راس الحربة لوحدة الساحات والجبهات حزب الله بتدمير واسع لبنيته التنظيمية والعسكرية وتدمير حاضنته الاجتماعية والان تنتقل الي سوريه ويليها العراق الحشد الشعبي واليمن انصار الله وتبقي ايران بلا ترس ولا درع يحميها من (فتوي) وحدة الساحات والجبهات.

ان تضخيم ما سمي بمحور المقاومة والممانعة والادعاء من ان سبب وجوده هو انه لتحرير فلسطين وعبر الحل العسكري والذي انطلق من حماس الي حزب الله اللبناني الي أنصار الله الحوثي والحشد الشيعي والاحزاب الولائية في العراق والمليشيات في سوريه. (أذرع ووكلاء ومليشيات) وليس دول في كما يري هذا المحور المقاومة والممانعة القضاء على اسرائيل وتحرير الاراضي الفلسطينية. والسؤال هنا لماذا نشطت وتنشط إيران النظام الثيوقراطي الاستبدادي لخلق هذا المحور المليشياوي كما تدعي في صراعها مع إسرائيل وامريكا؟ بعيداً عن الدول العربية التي ترتبط بها القضية الفلسطينية برباط عضوي؟ اولا هي كانت تقول ان عصر الصراع بين الدول العربية وامريكا واسرائيل قد افل، وان عصر التحالف مع مليشيات وأذرع ووكلاء أصبح هو الفاعل في الفترة الحالية.  وثانياً مما لا شك فيه ان تاريخ تعامل دولة الملالي في إيران مع هذه التنظيمات كان أسهل عليها من ربط ما تسميه صراعها مع امريكا وإسرائيل، وهذا يمثل امتداد لما حدث في ظل ما سمي بالربيع العربي الذي أسمته إيران (بعودة الصحوة الدينية وكذلك الطائفية) على حسب الدول وتركيبتها الديمغرافية. ف لإيران تاريخ في هذا. ولنفصل هنا مع بداية صنعها لحزب الله في لبنان بالانقلاب الذي حدث ضد حركة امل الشيعية، وبعد ذلك بضرب الاحزاب اليسارية ومنها الحزب الشيوعي اللبناني الذي هو اول من اوجد المقاومة ضد إسرائيل. حيث جرده حزب الله من دوره هذا ليكون هو الذي يحمل لقب المقاومة الشيعية ضد اسرائيل في لبنان بعد ان كانت المقاومة يسارية وطنية بين الاحزاب اليسارية اللبنانية والفلسطينية. ومن هنا عززت علاقته مع الجهاد الاسلامي وحماس في فلسطين. كما شكلت  بعد ذلك داعش الايرانية ؛ حيث ظهر أن تواصلاً بين تنظيم القاعدة وايران كان يقوم من خلال عناصر من حزب الله منذ تسعينيات القرن العشرين ؛ اي حين كان التنظيم (يخوض حرباً ضد الامبريالية)، ومن الواضح ان تنسيقاً كان يقوم بينهما ؛ حيث (قدمت المخابرات الايرانية) على امتداد السنوات العشرين الماضية دعماً مالياً ومادياً وتكنولوجياً، وغير ذلك من اشكال الدعم لتنظيم القاعدة في العراق، وكان المسؤول عن هذه العلاقة (عماد مغنيه) الذي قاد شبكة واسعة، تضم حزب الله والقاعدة وحركة حماس وعدة مجموعات ارهابية صغيرة في خمس قارات. فلم يكون بمقدور بن لادن – وقتذاك – تنفيذ هجمات في الغرب، من دون مساعدة (عماد مغنية). وبسبب التقاء مصالحهما، عرض مغنية على بن لادن تدريب كوادره في معسكرات حزب الله في البقاع خلال الفترة الواقعة بين 1993و 1996. وأرسل بعض من رجال بن لادن الي إيران؛ حيث دربهم الحرس الثوري الايراني وزودهم بالمتفجرات والاسلحة لعمليات بن لادن اللاحقة وقدم عماد مغنية مساعدته الي الظواهري وبن لادن في تفجير السفارة المصرية في اسلام اباد اواخر عام 1995 الذي أسفر عن مقتل 17 شخصاً. وحين ابعد النظام السوداني بن لادن، بضغط من الغرب، انتقل مع كوادره الي افغانستان، بمساعدة عماد مغنية. وبعد ذلك تلقي كوادر تنظيم القاعدة تدريبات واسعة استعداداً لما سماه بن لادن (الجهاد العالمي) في سبيل الله

 الفتوي التي افتي بها خامنئي والتي سميت بوحدة الساحات والجبهات اعتماداً على مليشيات وأذرع ووكلاء (الحرب عبر الوكلاء). لكي تكون بديلاً عن الصراع العربي الاسرائيلي، ليصبح الصراع بين هذه المليشيات الموجودة في الدول العربية والتي اوجدتها إيران بتفكيك هذه الدول اي بالاستفادة من التركيبة الطائفية التي غذتها بالبعد الايديولوجي الاصولي والجهادي الشيعي، والهدف كان من اجل بسط هيمنتها وسيطرتها الجيوسياسية على ما سمته بالهلال الشيعي. ليكون في مواجهة الدول العربية السنية هذا هو جوهر تصديرها للثورة وليس هناك هدف اخر. وبالعودة الي داعش الايرانية وفي سنة 1997، قال بن لادن للإيرانيين ان عليهم اعادة النظر لسياستهم الخارجية، وينضموا الي حملته ضد الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها. ولقد تبلورت معالم السياسة الرسمية التي اعتمدها المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي بشأن العلاقة مع تنظيم القاعدة في وثيقة سرية للغاية، اعدتها الاستخبارات الايرانية في مايو 2001. واكدت الوثيقة اهمية الاهداف الاستراتيجية المشتركة بين تنظيم القاعدة والنظام الايراني في (المعركة ضد الاستكبار العالمي)، بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل، كما نقلت مجلة ذي تاور المختصة بشئون الشرق الاوسط عن الوثيقة السرية قائلة انها تتسم بأهمية بالغة لفهم علاقات (عماد مغنية) بهجمات 11 ايلول / سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة. ولا شك ان إيران كانت فرحه بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ حيث رات ان ما حدث قد هز امريكا وأضعفها، لكنها تواطأت مع امريكا في الحربين التين خاضتهما في افغانستان والعراق، وقد فرحت كل التنظيمات الاصولية والجهادية الشيعية في كل الدول العربية (حيث سيكون هذا هو ممر للاستيلاء على السلطة والقوة والثروة في العراق لصالح الاحزاب الشيعية الاصولية والجهادية)، حيث كان لها تصفية نظام صدام حسين عدوها. خصوصاً ان امريكا كانت قد قررت تشكيل العراق على اساس طائفي، على ان تسيطر الطائفة الاكبر؛ اي الشيعة، وبالتحديد تلك التنظيمات التي ربتها إيران من عراقيين شيعة، طردهم صدام حسين: حيث كونت منهم مجموعات عسكرية، وتنظيمات سياسية وهو الامر الذي يعني مقدرتها على التأثير، والسيطرة، على النظام الجديد وهذا ما حدث. رغم ذلك استقبلت إيران عناصر تنظيم القاعدة، واوت عائلة بن لادن وقيادات من التنظيم. لكن كان الاخطر هو تسهيلها انتقال مجموعة ابي مصعب الزرقاوي من افغانستان الي العراق تحت حماية اجهزة المخابرات الايرانية. وإذا كان (الغطاء العام) لهذه الخطوة الذي يتكرر عادة هو تسهيل قتال هؤلاء الامريكان التي باتت تحتل العراق، فما ظهر واضحاً هو ان هذه المجموعة انطلقت من اولوية قتال (الروافض) اي الشيعة على قتال الاحتلال؛ حيث افتعلت (صراعاً) طائفياً، كانت تحتاجه إيران للسيطرة على البيئة الشيعية، ولضمان حكم (شيعتها)، اي هؤلاء الذين ربتهم، ودربتهم وشكلت منهم مجموعات عسكرية، واحزاباً طائفية حملت الي العراق على ظهر الدبابات الامريكية. فقد كان واضحاً ان إيران تشجع ما بات يسمي تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، في تركيزها على الصراع الطائفي تحت شعار (قتال الروافض). نجحت في ذلك (ونجحت امريكا / بالأساس – في استثارة الصراع الطائفي) حيث بات اتباعها (اي إيران) هم السلطة، بدعم امريكي، وتخويف طائفي قام به تنظيم القاعدة.

كما ذكرنا في الحلقة السابقة فإن إيران قامت منذ زمن بالتشبيك مع التنظيمات الاصولية والجهادية سواء كانت شيعية او سنية. سواء تنظيم القاعدة او داعش او التنظيمات والاحزاب الطائفية الشيعية في العراق ولبنان واليمن وسوريه من اجل ان تخلق لها محور باتت تسميه محور المقاومة والممانعة وركزت في البدء على لبنان والعراق لتحريك الملف الطائفي تحت شعار رفع (المظلومية). والهدف كان هو احتلال العراق ولبنان والسيطرة والهيمنة عليه. وكما ذكرنا في الحلقة السابقة فقد كان واضحاً ان إيران تشجع ما بات يسمي تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، في تركيزها على الصراع الطائفي تحت شعار (قتال الروافض). نجحت في ذلك (ونجحت امريكا – بالأساس – في استثارة الصراع الطائفي)؛ حيث بات اتباعها هم السلطة بدعم امريكي، وتخويف طائفي، قام به تنظيم القاعدة. وبعد تحقق ذلك، سرعان ما انتقل (تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) الي تأسيس (دولة العراق الاسلامية)، بحدودها على المناطق (السنية)، وليس على كل العراق. بالتالي خدمت إيران في ان تسيطر على (المنطقة الشيعية)، وعلى السلطة، ومن ثم بدأ التنظيم صراعه مع البيئة (السنية) التي كانت تقاتل الاحتلال الامريكي، فخربت (المقاومة)، من جهة، وهو ما كانت تريده امريكا، وان تلهي المنطقة السنية في صراع، يلهيها عن دورها في السلطة، وفي مصير العراق من جهة اخري. اذن لقد مهدت دولة العراق الاسلامية لسيطرة إيران على البيئة الشيعية، وانتقلت لتدمير البيئة السنة. هذا كان هدفاً امريكياً ايضاً، ولا شك ان امريكا هي التي كانت تحرك تنظيم قاعدة الجهاد، لكن التنظيم كان على صلة بإيران، ومن الواضح ان الاستراتيجيتين الامريكية والايرانية في العراق كانت موحدة، وتقوم على التدمير، وتحكيم قوي طائفية (شيعية) بالدولة، وتهميش البيئة السنية. وكان هدف امريكا التالي هو تقسيم العراق الي ثلاث (دول). (وكان يراد ايضاً تطبيق هذا السيناريو في البحرين في سنة 2011 فيما يخص بلورة الفتنة الطائفية بدور امريكي / ايراني لو لا تدخل قوات درع الجزيرة العربية لدول مجلس التعاون الخليجي) وبالعودة الي السيناريو الاول تكلم ابو محمد العدناني الذي كان الناطق الرسمي لداعش تكلم بوضوح، خلال الصراع بين داعش وجبهة النصرة في سوريه، عن ان قيادة تنظيم القاعدة كانت اصدرت قرار بعدم التعرض لإيران، مبررة ذلك بانها ممر للتنظيم. وهو في ذلك يؤكد العلاقة رغم انه يبررها. ولقد كشفت الرسائل التي افرجت عنها امريكا، والتي وجدتها في (مخبأ) بن لادن بعد (قتله) انه كان يحث على عدم التعرض لإيران ف هي الممر الرئيس لنا بالنسبة للأموال والافراد والمراسلات، وكذلك الاسري. كما كتب. ولا شك في ان امريكا كسبت من تنظيم قاعدة الجهاد او داعش حيث قام (بتخريب المقاومة)، والتهيئة لتفكيك العراق، ولكن؛ كسبت إيران تهميش (السنة)، وفرض السيطرة (الشيعية)، وهذا هو التطبيق الفعلي للفكرة الامريكية حول (حكم الاغلبية).

كما فعلت إيران في لبنان بتثبيت هيمنة حزب الله على لبنان وعلى الشعب اللبناني وهي من تقود قوات حزب الله الان في لبنان في الحرب الدائرة بعد ضرب كل قيادات حزب الله بمن فيهم امينه العام حسن نصر الله وتحت شعار الوصاية على لبنان وتحت شعار (المقاومة) ضد إسرائيل. وبعد ان ضربت المقاومة الوطنية بقيادة اليسار للبناني. حدث نفس السيناريو في العراق بعد تراجع المقاومة ضد الاحتلال الامريكي، واستقرار حكم نوري المالكي (رجل إيران). مما همش من دور تنظيم القاعدة، ولكن بعد انطلاق الحراك الشعبي بعد ما سمي بالربيع العربي، تحرك تنظيم قاعدة الجهاد، وتمركز نشاطه في البيئة السنية ؛ حيث عمل على التشويش على الحراك الشعبي، وجري  استغلاله من قبل نوري المالكي لسحق الحراك في كل المحافظات الغربية والشمالية سنوات 2011 الي بداية سنة 2014 ؛ حيث استخدم نوري المالكي القوة لفض الاعتصامات (العشائر العربية) بداية سنة 2014، بعد ما يقارب العام من الاحتجاج المتواصل حينها ومنذ ابريل سنة 2012 بات يسمي هذا التنظيم بداعش، وكان قد بدأ التدخل في سوريه ضد الحراك والانتفاضة السورية. ما ظهر خلال ذلك ان محركه هو نوري المالكي، الذي اتهم بأنه اخرج عناصر تنظيم دولة العراق الإسلامية (ابن تنظيم قاعدة الجهاد وابو داعش) كما ذكرناه سابقاً حيث اخرجهم من سجن (ابو غريب) وارسلهم الي سوريه، هذا حسب وزير العدل في حكومة المالكي. وجري تسريب معلومات كانت متداولة في اروقة البرلمان العراقي تقول ان إيران تمول التنظيم، ولا شك في ان كل المؤشرات السابقة تشير الي امكانية ذلك؛ حيث استمر وجود قادة من التنظيم في إيران، وكان الدور الذي قام به في العراق يصب في مصلحة إيران. ولا شك في ان التدقيق في دور داعش في العراق يظهر انها كانت تخدم تشويه الحراك في المناطق الغربية والشمالية (ما تسمي ب المناطق السنية) ولقد اصطدمت مراراً مع العشائر العربية، وحدثت اشتباكات كثيرة بينهما، في مرحلة الحراك الشعبي ضد حكومة المالكي (الايرانية). ولقد استغل هذا الاخير اسم داعش؛ لكي يسحق الاعتصامات في ست محافظات بالقوة. وحاول اخيراً ان يستغل التنظيم، من اجل فرض اعادة تسميته رئيساً للحكومة، ومنها اسقاط الموصل بيد التنظيم، كما اكدت لجنة التحقيق التي تشكلت لدرس الامر، وهو الامر الذي ادي الي انقلاب المعادلات لغير مصلحته بعد ان دخلت امريكا من جديد على الخط. هذا في العراق. اما في سوريه كان واضحاً ان دور داعش اتي في مواجهة الانتفاضة الشعبية السورية، حيث تقدمت داعش في المناطق التي تسيطر عليها القوي التي تقاتل النظام، بعد ان انسحب منها، او جري (تحريرها). وبالتالي كان واضحاً دور نوري المالكي (رجل إيران)، وبالتالي إيران في ذلك؛ حيث كان يجب تدمير هذا الحراك الشعبي والانتفاضة الشعبية من داخل المناطق التي باتت بيدها، في الوقت ذاته الذي بدا تدخلها لدعم النظام السوري عبر ارسال مليشيا قوة حزب الله والمليشيات العراقية والحرس الثوري؛ حيث كان يجب وضع المناطق الشاسعة التي انسحبت منها قوات النظام السوري نتيجة أزمته تحت سيطرة قوة (مواليه) رغم انها تظهر كعدو. لهذا كانت تشتبك مع قوي الحراك الشعبي والانتفاضة السورية، وتسيطر على مناطقها الواحدة تلو الأخرى، وحين تحتاج داعش او يحتاج النظام السوري يتحقق (الاشتباك) مع النظام السوري، كما ظهر في العديد من الحالات المفتعلة، رغم ان وجود التنظيم داعش المخترق من عدة دول، كان يفرض بعض المعارك كذلك. بهذا فإن الصورة من تضخيم والنفخ في التنظيمات الاصولية والجهادية سواء كانت داعش او القاعدة او محور المقاومة والممانعة ك (لعبة) متعددة الاطراف، بأنها باتت (ايرانية) على ضوء (سيطرتها) عليها بعد الانسحاب الامريكي من العراق سنة 2011 وكذلك (امريكية) في العراق. وتتداخل السيطرة في سوريه بين امريكا التي تسيطر على (المركز الداعشي)، وروسيا التي ارسلت داعشيها الشيشان، وإيران التي ارسلت التنظيم. وكانت تخترقه، وكذلك النظام السوري الذي له باع طويل في اختراق تنظيم القاعدة ربما في سورية تظهر الشراكة متعددة الاطراف المستثمرة في التنظيمات الاصولية والجهادية وفيما يسمي محور المقاومة والممانعة.

ما يوحد كل الفاعلين الذي يقومون بتضخيم والنفخ في التنظيمات الاصولية والجهادية. هو رفض التغيير والحداثة والتطور ورفض الحراك الشعبي الذي يريد التغيير. وكما شاهدناه بالعين المجردة من تونس (الربيع العربي) ومن ثمة هيمنة الاخوان على هذا الحراك وتجيره لمصلحتهم الي مصر وهيمنة الاخوان واستغلال الحراك الشعبي من اجل خلق سلطة استبدادية حاكمة في مصر الاخوان وكذلك جري في العراق الاحزاب الولائية الاسلام السياسي الشيعي في العراق وكذلك في سوريه ضرب الحراك الشعبي ونري ان من هو مهمين الان هو جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام في حلب. وكذلك في اليمن هيمنة أنصار الله على السلطة في صنعاء وهي مليشيا صناعة ايرانية، وكذلك في البحرين الانقلاب على المشروع الاصلاحي بهيمنة جمعيات الاسلام السياسي وتشكيل ائتلاف 14 فبراير. على حساب الائتلاف الوطني على قاعدة الديمقراطية … الخ. بالرغم من ان البروغاندا الاعلامية لعبت دور هو عكس الواقع، اي عكس ما يظهره الواقع. فمثلاً داعش هي (شركة امنيةً) (مغلفة بغلاف اسلامي) وهو ما يوفر لها الاف المهمشين الذين يجرفهم ما يظهر انه (ديني)، كما هي منظمة فاغنر الروسية وكما هو محور المقاومة والممانعة. وبالتالي يوظف تخلفنا في صراع يخدم مصالح اخري، هي معادية لهذا للواقع، وهدفها هو تكريس تخلفه وتفككه ودماره. هذا ما يتم توضيحه هنا باستجلاب تجربة القاعدة وداعش والاخوان المسلمين ومحور المقاومة والممانعة. وهو يظهر ان يخدم سياسات دول امبريالية واقليمية (إيران) (اسرائيل)و(تركيا)، ويدمر البني المجتمعية. ونري كيف يتم توظيف سواء القاعدة او داعش او محور المقاومة والممانعة في صراع بين عدة دول كما يظهر في الوضع اللبناني والوضع العراقي والوضع اليمني وأخيراً السوري. والدخول الامريكي والروسي والايراني والاسرائيلي. ربما (شربكة) تحتاج الي حل، ووضع سريالي دموي نشاهده يسكب من دماء الشعوب العربية وبالذات في غزة والان لبنان وقبلها وما زال في سوريه والعراق واليمن. اذن كل هذا يحتاج الي تفكيك. فكيف يمكن لدول (تتصارع) ان تدعم وتستفيد من خدمات تنظيم مثل داعش وقبلها القاعدة. ودول تدعم ما تسميه بمحور المقاومة الممانعة ووحدة الجبهات والساحات وتستفيد من وجوده؟ في الوضع العراقي والسوري نشاهد ما يسمي الي توافق (العدوين) في دعم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، والاهداف الخاصة بكل منهما، وحتى الاهداف المشتركة، مثل فرض سلطة (شيعة إيران)، وخلق شرخ طائفي في العراق. مثل ما حدث لدينا في البحرين خلق شرخ طائفي. رغم اختلاف الهدف لكل منهما اي امريكا وإيران، ومن ثم؛ التوافق على تدمير العراق وقتل نخبه كما كان يراد له في البحرين لو نجح الانقلاب على المشروع الاصلاحي تدمير البحرين. وهو ما حصل في اليمن من تدمير الدولة وكذلك في سوريه ولبنان حالياً. لكن يظهر الان ان التوافق اوسع من ذلك، وبين قوي (تتصارع) مثل صراع النظام العراقي وصراع امريكا، وصراع إيران وصراع اسرائيل وكذلك صراع روسيا في سوريه فيما يبدو كمسلمة هو ان الصراع العالمي هو بين كل من امريكا وروسيا في سوريه وإيران ومحور المقاومة والممانعة المزيف وإسرائيل. ولكن ما يوحد كل هؤلاء هو رفض التغيير والحراك الشعبي الوطني الذي يريد التغيير، هذا ما يرفضه ليست النظم فقط بل الدول الاقليمية هنا إيران ومن قبلها تركيا، والدول الامبريالية كذلك. لهذا كان ادخال القاعدة ومن بعدها داعش والنصرة ومحور المقاومة والممانعة المليشياوي وكل الاصولية والجهادية هو من اجل تخريب اي حراك شعبي وطني (وليس طائفي) حيث يتم استبدال هذا الحراك الوطني ليحل محله حراك اصولي جهادي كما فعلت القاعدة وداعش ومحور المقاومة والممانعة بأذرعه ووكلائه وكما فعلت اسرائيل بتضخيم حركة حماس وتمويلها، وبالتالي تفكيكه من الداخل وتشويهه ليكي يتحول الي حراك اصولي جهادي وبالتالي يدخل وصمه انه بفعل (ارهابيين) وليس من فعل الشعب.

اللعبة من التضخيم والنفخ في الاصولية والجهادية، سواء كانت القاعدة او داعش او محور المقاومة والممانعة، كما ذكرنا هو تخريب اي حراك شعبي سياسي وطني يريد التغيير سواء كان في سوريه او العراق او لبنان او اليمن، وحتى فلسطين ذلك بإقحام هذه التنظيمات الأصولية والجهادية وهو ما يسمح بفعلين معاً، الاول هو تشويه القضية الفلسطينية وتشويه الحراك الشعبي الوطني في كل من العراق سوريه لبنان اليمن بادعاء انها ذات فكر خميني او انها سلفية واخوانية وارهاب (جهادي). والثاني تخريبها فعلياً من خلال دور هذه التنظيمات الاصولية والجهادية في البيئة التي تصنع الحراك الشعبي السياسي الوطني وليس الطائفي والحفاظ على الانقسام في السلطة بين الضفة وغزة. اي تشويه الحراك الشعبي السياسي الوطني (وتشويه القضية الفلسطينية) وتدميرها هو الهدف المشترك بين كل الاعبين السياسيين اي بين كل هؤلاء (المتناقضين) سواء كانت إيران تركيا او الدول الامبريالية او اسرائيل. فأمريكا تعرف خطر اي حراك شعبي وطني يتحول الي انتفاضة في هذا الوقت، حيث تعيش هي والرأسمالية ككل ازمة مستعصية … الخ، وكذلك فعلت سوريه النظام والذي يريد بالطبع – سحق الانتفاضة السورية، لهذا عمل الي إطلاق (الجهاديين) دافعاً اياهم تشكيل كتائب مسلحة، وفرض سلطتهم؛ حيث ينسحب، لتشتيت وتخريب الحراك الشعبي السياسي الوطني (من الداخل). وإيران اصبحت معنية ببقاء (نظمها) في العراق وسوريه ولبنان (وحماس والجهاد الاسلامي كذراع ووكيل لها في فلسطين)، لهذا ظل هدفها الاساس هو تخريب اي حراك شعبي وطني مثلاُ في العراق، وخصوصاً في المناطق (السنية بقوة سنية) هذا ما فعلته في العراق، واكملته في سوريه، بالتعاون مع النظام؛ لتحدث اختراقات كبيرة من الطرفين النظام السوري او النظام العراقي والقاعدة وداعش لكي تبلور أذرعها ووكلائها فيما يسمي بلورة محور المقاومة والممانعة. روسيا كذلك ضد اي حراك شعبي وطني فقد ارسلت (مجاهديها) الي سوريه بالتحديد، حيث تطمح للسيطرة عليها، وخصوصاً بعد ان تحصلت على عقود نفط، كان يجب حمايتها بقوي فاعلة على الارض بعد ان ضعفت قوات النظام، واضطر الانسحاب من الشمال والشرق السوريين. العديد من الاطراف كانوا ينطلقون من ان التنظيمات الاصولية والجهادية (حالة واقعية)، بالتالي يمكن التأثير فيها وتوظيفها، دون وعي ان هناك من يسيطر على مسارها ويوظفها هو في خدمة (مصالحه). وكان في البداية المسيطر هو امريكا، وهي لا تمانع بأن تدعم كل تلك الدول التي ذكرناها التنظيمات الاصولية والجهادية، بالضبط لأنها كلها توظفه ضد الحراك الشعبي الوطني وهو ما تريده بالأساس. وبالتالي يمكن القول بأن هناك من يسمك بهذه التنظيمات الاصولية والجهادية (القاعدة / داعش / محور المقاومة والممانعة) ويوظفها، وهناك من يعتقد انه يستغلها، واخرون يعتقدون انهم قد سيطرو عليها سواء التي صنعتها امريكا او إيران. وحتى اسرائيل. واخرون يرون انها (انقلبت) ضد امريكا، او اسرائيل (حماس) لكن كل هؤلاء يتوافقون على مسألة واحدة هي سحق اي حراك شعبي سياسي وطني يريد التغيير ولان كل واحد منهم يعتقد انه يوظف هذه التنظيمات الاصولية والجهادية. ونجد ان هذا التوافق ينقلب الي اختلاف، او حتى تناقض فيما يتعلق بكل دولة. فأمريكا تريد اعادة السيطرة على العراق عبر تغيير طابع السلطة الذي تبلور منذ سنة 2003، بإبعاد (رجالات إيران) او تهميشهم، وكل المعركة الان الدائرة هدفها هذا من خلال محاصرة الاحزاب الشيعية العراقية الايرانية الولائية، ومن ثم تشكيل قوات (سنية) هي التي (تحكم) المنطقة الغربية والشمالية من العراق، وبالتالي تفرض ذاتها في بنية السلطة، وهذا يتناقض مع ما تريده إيران التي ارادت العكس من ذلك؛ اي استمرار تعزيز سيطرتها وهيمنتها على الدولة العراقية، والزيادة في تهميش (السنة).

تم الاشارة في الحلقة السابقة ان هناك عدة أطراف وعدة دول لعبت ادوار لاستخدام التنظيمات الاصولية والجهادية، رغم انها تبدو متناقضة ومتصارعة، وكل يوظف هذه التنظيمات الاصولية والجهادية ضد الطرف الاخر. وذكرنا انها (شربكة) تحتاج الي حل، ووضع سريالي (خيالي) يحتاج الي تفكيك. فكيف يمكن لدول (تتصارع) ان تدعم وتستفيد من خدمات التنظيمات الاصولية والجهادية؟ عن طريق تضخيم إيران ل أذرعها، ووكلائها (ميليشياتها) في المنطقة العربية وبلورة محور سمي بمحور المقاومة والممانعة ووحدة الساحات والجبهات تسيطر وتهيمن وتقوده إيران ضمن إطار مفهوم تصديرها للثورة وتوسعها ونفوذها في المنطقة العربية كان الهدف الاساس ان يحقق هذا الهدف، وبالتالي تربح إيران فيما تكتشف الان انها تخسر بعد تداعيات طوفان الأقصى المأساة، وامتداده لراس حربتها حزب الله اللبناني، وكذلك ميليشياتها في سوريه ومن بعدها تأتي مليشيات العراقية ومليشيا أنصار الله. وهذا يذكرنا كيف لعبت إيران بورقة داعش؛ كي تربح فيما اكتشفت انها تخسر، بالضبط؛ لأن داعش ملكية أمريكية اولاً. وحين تدخلت امريكا (ضد داعش في سوريه)، كانت تهدف اعتبار سوريه ورقة في المفاوضات مع إيران خصوصاً حول مصير سوريه، وربما لتعزيز سيطرة روسيا على سوريه بعد ان هيمنت إيران بعد تدخلها العسكري في سوريا حيث سيطرت على القرار السياسي العسكري السوري وطلبت من ميليشياتها التدخل العسكري، وهنا كان دور روسيا والهدف الذي دخلت به في الصراع على المصالح في سوريه. بينما كان هدف إيران هو تخريب الحراك الشعبي الوطني ضد نظام الاسد، وضمان سيطرة قوة تابعة لها على المناطق التي انسحبت منها قوات النظام السوري الي حين المقدرة على العودة اليها، كل بالتوافق مع تدخل إيران العسكري المباشر لدعم بقاء النظام السوري. وهنا يبرز التناقض واضحاً كذلك؛ حيث كل منهما (روسيا / إيران / سوريه) يسعي لما يخالف سياسة الاخر. طبعاً ما يهدف اليه النظام السوري هو تخريب الحراك الشعبي (حرية / كرامة) الوطني، وتسليم المناطق التي انسحب منها لقوة، يسيطر عليها النظام. خصوصاً ان هذه المناطق هي مناطق النفط والغاز، وبالتالي كان يجب ان تمنع سيطرة قوي الانتفاضة السورية عليها، ولهذا ظلت (لقوة) تعمل لمصلحة النظام وسوريه وروسيا، وكان واضحاً خلال الصراع ان النظام السوري يدفع بداعش الي المناطق والمواقع العسكرية التي تكون مهددة بالسقوط بيد الكتائب المسلحة، لكي تسيطر عليها (النظام السوري) هي لاستعادتها فيما بعد. روسيا التي كانت تريد السيطرة على سوريه لعبت – ايضاً – بداعش، بعد ان مدتها ب (المجاهدين الشيشان)، ولا شك ان تخريب الحراك الشعبي الوطني كان هدفاً اول، ولكن ظهر ان الهدف اقتصادي كذلك؛ حيث كانت شركات روسية قد حصلت على عقود استثمار النفط والغاز في سوريه. اما تركيه فقد رفضت منذ البدء ادخال مجاهدين الي سوريه حين كانت تخطط لتغيير النظام، وفرض (جماعتها) في السلطة بعد رفض بشار الاسد المرونة التي تتيح لنظامه البقاء، كما كانت تعتقد، وهذه السياسة كانت تتناقض مع وجود ارهاب و (مجاهدين). ولكن اختلف الامر بعد ذلك بعد ان حصل التوافق الامريكي الروسي الذي تبلور في مبادئ جنيف (1)؛ حيث توصلت تركيا الي ان هذا التوافق يعني سيطرة روسيا على سوريه، وبالتالي خروجها منها. الامر الذي جعلها تسهل دخول وخروج (عناصر داعش المجاهدين) وان تدعم التنظيم بالأسلحة، خصوصاً وأنها تريد منع سيطرة الاكراد على حدودها الجنوبية.

اذن لقد ارادة تركيا ارباك امريكا في حربها على داعش، على اساس ان امريكا تخوض حرباً حقيقية ضد داعش، يفرض على هذه الاخيرة اي امريكا التفاهم مع تركيا، وقبول التدخل العسكري البري بقوات تركية، ينهي داعش، ويسقط النظام، كما توهمت تركيا، وهي عبر ذلك – لم تكن تدري انها تدعم السياسة الامريكية التي تقوم على تكبير دور داعش والنفخ فيه والتخويف به. هذا التداخل بين كل هذه الاجهزة الامنية، فرض الكثير من التصفيات داخل التنظيم؛ حيث تسعي كل دولة الي كشف اختراقات الدول الأخرى، وهو ما اشار اليه احمد قاديروف رئيس جمهورية الشيشان. ولقد أعلن التنظيم في سوريه عن اكتشاف اختراقات لأشخاص يعملون مع اجهزة مخابرات، وتم اعدامهم، منها المسئول الامني في حلب الذي اتهم بأنه يعمل مع المخابرات البريطانية في كل هذه (اللعبة)يبدو التناقض واضحاً بين من يريد (الحرب ضد داعش) هو فقط امريكا وكل من إيران وتركيا، وتوافق بينها وبين روسيا في سوريه بالتحديد. لكن تبقي امريكا هي التي تحدد مصير داعش، بالضبط لأنها مالكها الاساس؛ حيث تتحكم في بنيتها اللوجستية والبنية الصلبة التي تتشكل من محترفين هم موظفون في (شركة امنية خاصة) مرتزقة. ونري كيف ان هذا السيناريو ينطبق على الصراع الحالي بين ما يسمي محور المقاومة والممانعة إيران وأذرعها وامريكا وإسرائيل. والتي كبرت وضخمت ونفخت في هذا المحور واستخدمته كأداة تخويف سواء لدول المنطقة العربية او لأمريكا وإسرائيل حيث شاهدنا حجم الاختراق الامني الهائل لهذا المحور ولهذه الجبهات ووحدة الساحات من راسه إيران الي أذرعها.

اضافة الي تضخيم التنظيمات الاصولية والجهادية فقد تم ايضاً تضخيم والنفخ في الدولة الدينية الاصولية الشيعية دولة الملالي إيران. فيما يخص الجانب الاقليمي في الشرق الاوسط في ظل عالم جديد وكذلك وجدت فيه روسيا واقعاً جديدا لتمد نفوذها الامبريالي في ألعالم وأخيراً غزوها لدولة ذات سيادة اوكرانيا. ان النقلة كانت بعد عام 2008 حيث أصبح العالم هو غير العالم قبل ذلك، وهذا العالم لم يعد هو عالم الهيمنة الامريكية الشاملة، ولا عالم ما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية حيث اصبحت امريكا هي القوة الوحيدة في العالم، والتي سعت لتمد سيطرتها على كل مكان فيه، لكي يكون في مقدورها نهبه بما يحل مشكلاتها الاقتصادية العميقة التي تراكمت منذ بداية سبعينيات القرن العشرين. وهذه بديهية يجب ان تكون واضحة. ربما كانت لحظة التحول التي تعيشها تحجب وعي ما يجري، وفهم طبيعة النتائج التي سوف يقود اليها (الانهيار المالي) الذي حدث في 14 سبتمبر سنة 2008. حيث لم ينته النظام القديم بعد، ولم يتشكل (نظام جديد) كذلك، وضع مشابه اوقع في اخطاء كبيرة (خصوصاً في صفوف اليسار) بعيد الحرب العالمية الاولي، وكذلك بعيد الحرب العالمية الثانية، لكن يجب ان يتم لمس الوضع جيداً لكي نعرف طبيعة الصراعات العالمية التي حدثت منذ هذا التحول في العالم ما يحدث الان وفي المستقبل المنظور وخصوصاً بما يتعلق بهذه الورقة تضخيم التنظيمات الاصولية والجهادية في الوقت الراهن. ولنري كيفية ومقدرة القوي الامبريالية في التحكم بعالم أصبح صعباً التحكم فيه. يجب ان يكون واضحاً اولاً ان الازمة التي وصفت بانها مالية هي ليست كذلك الا من ناحية الشكل، او المكان الذي انفجرت فيه (امريكا)، لكنها ازمة عميقة تطال كل بنية الرأسمالية، والامريكية خصوصاً، رغم ان الترابط المالي العالمي جعلها ازمة كل الرأسمالية، والاوربية بشكل مباشر. اهمية هذه المقدمة هو ان امريكا التي اعتقدت بان عليها (غزو) العالم لكي تحل مشكلاتها الاقتصادية، اكتشفت ان هذا الفعل الذي بدأته بغزو العراق سنة 1991 افضي الي تعمق الازمة واستفحالها، امريكا لم تتجاوز الازمة (المالية) تلك، وهي مهددة بأزمات جديدة، و اوربا كذلك تعيش ازمة كبيرة سوف تنعكس على امريكا مباشرة وتعمق من ازمتها، لهذا من يدرس الاستراتيجية العسكرية الامريكية الجديدة التي اقرها  باراك اوباما والتي تسير عليها الادارة الديمقراطية الحالية/ بايدن سوف يستشف مدي التحول في القدرة الامريكية، كما في السياسة الامريكية التي نشاهدها اليوم في ظل الصراع العالمي الراهن سواء ما تعلق بغزو روسيا ل اوكرانيا او الصراع الحالي في الشرق الاوسط بين ايران واذرعها ومليشياتها ووكلائها وإسرائيل وامريكا. فلقد استغلت دولة الملالي إيران لبناء قدرتها العسكرية والنووية وتوسعها في الدول العربية وتشكيل ما سمي بمحور المقاومة والممانعة ضد الانظمة العربية في العراق سوريه لبنان اليمن واستغلالها للقضية الفلسطينية وتحويلها من حركة تحرر وطني وحق تقرير المصير الي حركة اصولية جهادية دينية تخدم ليس فلسطين بل اجندة هذا المحور المقاومة والممانعة الايراني. فقد خفضت هذه السياسة الاستراتيجية  العسكرية الامريكية الجديدة في ميزانية وزارة الدفاع البنتاجون، وخفضت في عديد القوات الامريكية، بما في ذلك مشاة البحرية (المارينز)، انطلقت الاستراتيجية من التخلي عن نظرية(رامسفيلد ) الجمهوري التي كانت تؤكد على مقدرة امريكا خوض حربين كبيرتين وعدة حروب صغيرة في الوقت ذاته، لتقرر بان في مقدورها خوض حرب واحدة فقط (وكانت في افغانستان) والتي خرجت منها بعد ذلك، وسحبت الكثير من قواتها من الشرق الاوسط بعد ان كانت تعتبر بأن (الشرق الاوسط) هو اولويتها باتت تري بان  منطقة الباسفيك / المحيط الهادي هي الاولوية وخصوصاً التصدي للصين، وبعدها جائت اولوية غزو  روسيا على اوكرانيا. ولهذا عملت على مركزة قواتها هناك. وكما شاهدنا فقد سحبت سفنها في تلك المرحلة من الخليج العربي لكي تستقر في تلك المنطقة، واقرت بقاء القواعد العسكرية الامريكية في الخليج ولكن نقلت بطاريات الباتريوت من منطقة الخليج الي الاردن. هذه الاستراتيجية التقطتها دولة الملالي ايران على انها انسحاب من منطقة الشرق الاوسط، وهي استراتيجية لا تعطي الامكانية للتدخل، حتى وان بالطيران الحربي  الامريكي في سوريه، فقد سمح هذا الانسحاب بان تتقدم روسيا وتصبح قوة تحاول (ملء الفراغ) وكذلك ايران ومليشياتها وبالتالي ان تصبح قوة (ردع) خصوصاً وان كل تدخل في سوريه او لبنان او فلسطين سوف ينقلب الي صراع اقليمي يحتاج الي مقدرة امريكية لم تتوفر في تلك المرحلة بعد الانسحاب الامريكي من المنطقة، وهذا ما استغلته ايران في النظر الي التعامل مع ملفها النووي حيث زادت تخصيب اليورانيوم في هذه المرحلة.

ضمن إطار الصراع الذي نشهده اليوم في منطقة الشرق الاوسط بين عدة دول ومليشيات تحتل دول وفي ظل التضخيم والنفخ في هذا الصراع من قبل محور يسمي بالمقاومة والممانعة (إيران ومليشياتها في العراق سوريه لبنان اليمن) والتضخيم والنفخ في هذا المحور من قبل دول هي امريكا وإسرائيل وروسيا. وان اتخذ هذا الصراع شكلاً دموياً على الارض. الا اننا لا زلنا نسمع عن ان هناك مؤامرة ونظرية للمؤامرة بين مختلف اللاعبين على ساحة هذا الصراع؟ الشكل النمطي لنظرية المؤامرة سواء كان بين ايران وإسرائيل وامريكا انطلق من ان امريكا التي هي زعيمة الامبريالية، والتي تحيك المؤامرات للسيطرة على العالم او اسرائيل التي تحيك المؤامرات للسيطرة على الشرق الاوسط، والتي وضعت مخططها ل (الشرق الاوسط الموسع)، وصاغت نظرية (الفوضى الخلاقة) تكمل ما بدأته سابقاً في العراق من خلال استثارة الوضع في غزة ولبنان وسوريه واليمن، وحالياً ايران وفِي  هذا المحور من اجل اسقاط نظام الممانعة و (المقاومة)، حيث استغلت حدث السابع من اكتوبر (مغامرة حماس وطوفان الموت) لكي تفتعل الصراع على كل ما يسمي بوحدة الساحات والجبهات والذي صور على اساس انه مشروع ضد إسرائيل وامريكا. وهذه النظرية للأسف وقع فيها اليسار الممانع العربي. والجزء الاخر من هذا الشكل النمطي قام على اساس ان روسيا وإيران والصين هم الحلفاء (الطبيعيين)، حيث انهم ليسوا دول امبريالية (ويدعمون الشعوب العربية وحركات التحرر الوطني)؟ ولكن في خلفية كل ذلك ان روسيا هي (اشتراكية)، والصين (شيوعية) وإيران دولة وازنة اقليميه (دينية / مقاومة)، او شيء من هذا القبيل مثل تحررية او (معادية الامبريالية) وإيران (معادية الصهيونية والامبريالية)، او انهم (دول بازغة)، ولهذا من الطبيعي ان تكون هذه الدول الي جانب العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن. بالتالي فكل هذه الدول هي ضد امريكا وبالتالي ضد اسرائيل (الاعداء الرئيسين) ومن ثم يجب التحالف مع هذا المحور الروسي الصيني الايراني. من الواضح بأن هذا التحديد هو استعادة لمعادلات الحرب الباردة كما رسمها الاتحاد السوفيتي وتعممت على اساس انها جزء ثابت وجوهري في (النظرية الماركسية اللينينية) عند اليسار الممانع، فأمريكا هي الامبريالية وروسيا والصين هي الاشتراكية وايران هي التي تدعم هذه الدول الاشتراكية، وفي الثنائي  يكمن التناقض، ويقوم الصراع، واذا كان هذا التناقض يتأسس على التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية فقد جري اختصاره لكي يتحدد في روسيا الصين ايران وامريكا وإسرائيل، وهذا ما تكلس في ذهن قطاع من (اليسار الممانع) وبات هو النهج الذي يحكم نظرته الي العالم، الي حد انه بات (القالب الجاهز) لتفسير احداث العالم كلها. هذا ما جعل بن لادن وتنظيم القاعدة وداعش ومحور المقاومة والممانعة (ثوري)، ومعادي الامبريالية وبات وجه بن لادن ويحي السنوار وحسن نصرالله يغطي وجه جيفارا وبات الاخوان المسلمين والاحزاب الشيعية الاصولية الجهادية (حلفاء) ضد الامبريالية والصهيونية، وهم قيادة التحرر الوطني وأصبح (الماركسي القويم) هو من يتحالف معهم ويدافع عن بن لادن وكل قيادات محور المقاومة والممانعة، وكل من لا يفعل ذلك هو (امبريالي) و (صهيوني). في كل الدول التي احتلتها إيران ونصبت فيها مليشيات كوكلاء لها فيها انطبقت هذه (النظرية / المؤامرة) تماماً مثلاً في سوريه والعراق ولبنان كان النظام فيها في تحالف (مختلف) مع امريكا (وان كان فاتحاً كل الخطوط مع اوروبا التي لم يبد انها امبريالية). وفي حلف (مقاوم)، ضد امريكا والدولة الصهيونية، واصبحت روسيا والصين وإيران هي الداعم الرئيسي له. بالتالي تفعل نشاط هذا الحلف المقاوم في (قالب) بشكلٍ غريزي، وبات ما يجري في دول حلف محور المقاومة والممانعة هو مؤامرة من قبل امريكا وإسرائيل. (وإيران) التي اسست هذا المحور المقاوم والممانع. وروسيا والصين هما الحليف (الاشتراكي) او (البازغ)او (التحرري) او (المعادي الامبريالية) وظلت امريكا وإسرائيل هي التي تصنع المؤامرة ضد هذا الحلف المقاوم وتقوم بها بشكل مباشر.

ان الهدف من التضخيم والنفخ في التنظيمات الاصولية والجهادية، يهدف الي خلق منعكسات في اللاوعي، لكنها تتبلور في الوعي كذلك، تشل من الدعم الشعبي لأي (مقاومة وطنية) او لحراك شعبي وطني، وتشوش عليها، وتقود الي الدعوة الشعبية الي الامن والامان والهدوء واعادة الحياة الطبيعية (وهذا ما نراه اليوم في الضفة وغزة ولبنان وسوريه والعراق واليمن). وهذه ميول طبيعية حينما تنتشر الفوضى (والنزوح والتهجير) للسكان، ويتشوش الهدف، ويصبح القتل والدم والتدمير هو الغالب، فكل الدول التي احتلتها إيران ونصبت لها مليشيات على الارض (طائفية)، جرت فيها حروب على الهوية وتم قتل العراقيين والسورين واللبنانيين واليمنين، مع تهميش المواجهة التي يدعيها هذا المحور ضد امريكا وإسرائيل. بالرغم من المقامرة التي قامت بها حماس وحزب الله والحوثيين والعراقيين بقرار من إيران. وبعد كل هذا الذي جري من احداث تدميرية كارثية للقضية الفلسطينية، والمحور الذي يسمي نفسه مقاومة وممانعة، يبرز سؤال ما هي قوة الحركة الاصولية والجهادية؟ الاعتقاد هنا في الهامش اصبحت مكشوفه ومخترقة في ظل ميزان القوي الذي يسير في غير صالحها وهي الان تخسر وتنهزم بعد كل هذه السنوات التي قضتها في بناء هذا المحور او وحدة الساحات والجبهات، وهي سوف تصبح في الهامش، وان طبيعة الصراع تفرض دور قوي وطنية تتجاوز الطوائف والقبائل والعشائر (حتى لو قال البعض ان هذا يفرض دور القوي المتمرسة في القتال مثل حزب الله وحماس)، لكن ؛ يبدو دور هذه الحركات او الاحزاب (تشويشياً) ومضعفاً (للمقاومة) من الزاوية المعنوية، نتيجة حماقات (ايران ويحي السنوار، وحسن نصرالله) اودت بكل الشعوب الموجودة في الدول التي تحتلها ايران، الي القتل والدمار، وبالتالي انتشار الفوضى، وعبر تاريخ طويل من تشجيع ممارسات اصولية وجهادية ضد المدنيين (التي تسمي عادة : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) مما حولها الي سلطات مستبدة ومغرقة في رجعيتها، مما شجع امريكا وإسرائيل على العبث والتخريب باسم المقاومة. لتظهر هذه القوي الاصولية والجهادية في صورة مرعبة من الوحشية والرجعية والاستبداد وخصوصاً في قمة راسها إيران. فمن يؤيدها بعد ذلك؟ الدولة الامريكية وكذلك اسرائيل تختار صيغة الحرب، وحتى الخصم (القضاء على حماس وحزب الله)، لقد سعت امريكا وإسرائيل الي تحويل (حلفائها) الي خصم في إطار (الحرب على الارهاب) كما فعلت مع القاعدة وداعش من قبل، ليصبح الكل (اصولياً، وجهادياً) ما دام يقاتل امريكا او اسرائيل. ولكن ذلك هو ما تريده امريكا وإسرائيل؛ لكي تخوض حرباً سهلة ومفيدة في ظل التفوق التكنولوجي في الاسلحة والحرب الاستخباراتية والسيبرانية، وبالتالي تصل الي ما تريد: القتل والحرب الطائفية والتفكيك والتقسيم كذلك ولسخرية القدر ان هذا ايضاً ما تريده إيران من فكرة بلورة محورها المقاوم والممانع؟ لهذا ستكون وكما نري اليوم في الصراع في الشرق الاوسط اسوء الحروب تلك التي تخاض باسم الدين والاصولية والجهادية؛ لأنها توصل الي التفتت والقتل والتدمير والتفكك والدمار العام. الكل يعرف ان الحرب ضد الاحتلال اي احتلال هي حرب وطنية بامتياز، وهكذا يجب ان تكون. وبالتالي يجب تبلور (المقاومة) وبرنامجها السياسي الواضح، وان تتوضح قيادتها السياسية الوطنية، لكي تخوض انتفاضة او حرباً واضحة الاهداف بقرار وطني وليس عبر وصاية لاي طرف خارجها لكي تعمل على ضبط (فوضي المقاومة) لتصبح هي المرجعية كما شاهدناه ايام انتفاضة الحجارة في الضفة وغزة.

ما بين المقاومة والارهاب؟ ما نراه اليوم ان المقاومة قد اختلطت بالإرهاب (وهذه وصمة وبصمه) ليبدو ان النشاط المقاوم يصور على انه هو النشاط الارهابي، نتيجة ان من يقود هذه المقاومة هي تنظيمات اصولية جهادية طائفية مصنفة عالمياً انها تنظيمات ارهابية (حزب الله، أنصار الله، الاحزاب الشيعية الولائية لإيران، حماس، فاطميون زينبيون.. الخ). وحيث تبرزها اجهزة الاعلام بكل اشكالها وتعطي لها مساحة أكبر بكثير لعرض صور، وهي – في الغالب – لا تتحدث عن المقاومة المدنية فقط الجهادية ان هو نصر او استشهاد / الموصومة بالإرهاب، وهو ما يبرز تحيز الاعلام، والا موضعيته. لكن في كل الاحوال فإن كل التنظيمات الاصولية والجهادية سواء قاعدة الجهاد او داعش او محور المقاومة والممانعة قامت بقتل المدنيين سواء في العراق او سوريا او اليمن او غزة او إيران قبل ما يسمي بطوفان الأقصى – طوفان الموت. وهذا كان سياسة يوميه مارستها هذه التنظيمات الاصولية والجهادية من قبل القاعدة / داعش عبر استخدام السيارات المفخخة او العمل الانتحاري في العراق وسوريه وفي لبنان عبر اغتيالات للمفكرين والسياسيين والزعماء والرموز الوطنية وكذلك في اليمن أنصار الله. اما عن إيران فحدث ولا حرج. هذه السياسة الارهابية تطورت وتعمقت مثلاً في العراق مع تعمق ازمة الاحتلال الامريكي. واذا كانت تهدف الي (مقاومة) الاحتلال الامريكي، فهي تحولت  الي حرب ضد الشيعة (الروافض)، وانطلقت  من ان هؤلاء هم الخطر الاكبر انطلاقاً من الفتاوي الدينية (من الغزالي الي ابن تيميه الي محمد بن عبدالوهاب)، واذا كانت تهدف الي (مقاومة الاحتلال الامريكي)، وبالتالي اصبح الوضع حساساً حيث ان المعركة انقلبت من الحرب على الاحتلال الي الحرب على الشيعة حسب ما تراه قيادات داعش، وهم هنا يستعيدون (فتاوي) ابن تيميه، وكل الاتجاه الاصولي السني، الذي يسعي لمحو كل المختلفين والمخالفين، وهنا هل  ما يفعله محور المقاومة والممانعة بقيادة ايران يختلف عن هذا المنطق ؟ كلاهما يعودان بالسياسة الي كونها فتاوي شرعية، كما يعود بالزمن الي القرون الوسطي؛ حيث غرق العرب في حروب طائفية وحروب الطوائف وحيث عزز الانهيار الكبير الذي لحق بالإمبراطورية وبالخلافة كل الميول المحافظة والاسطورية والمتخلفة (وهذا لاحظناه في العراق بالعين المجردة) وهذا ما فعلته إيران من خلال بلورة محورها المقاوم والممانع ووحدة الساحات والجبهات بحروب اهليه في العراق وسوريه واليمن ولبنان هيمنت من خلالها عبر هذه الفتاوي على السلطة. مما جعل السياسة هي بالتحديد (فتاوي شرعيه) يصدرها خامنئي او من يعينه. ولا شك في ان تقزيم السياسة الي (فتاوي شرعيه)، يقود الي دمار السياسة والي ماس مريعة؛ نشاهدها في دول هذا المحور الايراني؛ لان هذه الفتاوي هي نتاج القرون الوسطي؛ حيث الصراع السياسي كان يتخذ شكل الصراع الديني، كما انها تقوم على اساس بسيط: من يتوافق ومن يختلف معنا، وحيث هناك فرقة هي التي تمتلك الحقيقة والعصمة، تقوم بتخوين الاخرين، كونهم خارجون عن الدين القويم. ولقد حددت الفتاوي (الاصولية والجهادية) من الجانب السني الشيعة وكل الفرق الإسلامية كفرق ضاله، مصيرها النار، او كما حدد الغزالي فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، وهنا يتطابق (الحق) مع الاسلام الاصولي والجهادي، ومع طرف محدد منه حسب كل (امير)، ووفق مرجع الفتوي. وكذلك تفعل إيران بتحديد الصراع انه بين اليزيدية (معاوية) السنة واهل البيت الشيعة. هذا المنطق الساذج يوجد شرخاً مجتمعياً خطيراً، ويؤسس لحرب طائفية بينما كان يقبع الاحتلال في العراق، ويحكم سطوته ويعزز وجوده، ما دامت المعركة تتحول الي حرب طائفية. هذا المنطق يصب هنا فيما يريده الاحتلال الذي يتعامل مع العراق كطوائف ووثنيات متناحرة، ويدفع نحو تفكيكه عبر ايجاد تناقض داخلي على اساس طائفي واثني من اجل تكريس تقسيمه الي دويلات. بالضبط كما حادث اليوم في لبنان دويلة حزب الله. وهذا حدث ايضا في العراق (ذلك ان القوي الشيعية الطائفية) التي عادت مع الاحتلال، اصبحت هي السلطة والتي كرست جنوب العراق اقليماً شيعياً مستقلاً لكي يكون جزء في فيدرالية عراقية كما هو جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تتحدد على اساس طائفي واثني، وهذا ما فعله ايضاً ابو مصعب الزرقاوي القادم ايضاً – من الخارج مع الاحتلال، لعب الدور المقابل؛ حيث يسعي لتعزيز التعصب (السني) وتعزيز التناقض الشيعي / السني لكي يفرض على العراقيين ما يرفضونه، وبقوس اتت من الخارج، وتحمل مشاريع مناقضة لطموح هذا الشعب. ولم تفعل القوات الامريكية الا ان جلبت هؤلاء بطرق مختلفة الي العراق لافتعال هذا التناقض، ان تحقيق الهدف، اي هدف، يبدا من تحقيق الشروط والواقع والوضع المناسب لذلك، وهذا ما قامت به الدولة الامريكية وما قامت به إيران في دول محورها الشيعي وتحت شعار وفتوي (الموت لأمريكا والموت لإسرائيل) بمحور سمته المقاومة والممانعة.

ان منطق التنظيمات الاصولية والجهادية من القاعدة / داعش الي محور المقاومة والممانعة منذ تبلورت كما تم الحديث سابقاً كانت ضد اي حراك شعبي وطني في الدول التي هيمنت فيها هذه التنظيمات الاصولية والجهادية، وهي من جعلت معركتهم هي ضد الشعوب العربية في تلك الدول، وليس كما يدعون انهم ضد الاحتلال الامريكي او الاحتلال الإسرائيلي (رغم الصراع الحاصل اليوم)، فهم قد استسهلوا قتل المدنيين في حراكهم الوطني في العراق وسوريه ولبنان واليمن وحتى ما فعلته حماس مع فتح في غزة، وان اتخذ هذا القتل على اساس الهوية والطائفة والفكر. اذن ستبدو معركة هذه التنظيمات الاصولية والجهادية، متوافقة مع معركة الاحتلال الامريكي والاسرائيلي، وتصب في خدمتها، ما دامت تقوم على القتل والاغتيال والحرب الطائفية سواء بفتح معركة مع السنة او الشيعةً، كما رأينا في العراق وسوريه ولبنان واليمن، وسيتوضح من خلال المعركة كيف ان السياسة التي قامت وتقوم على الفتاوي لا تخدم سوي القوي الامبريالية وإسرائيل، من الحرب في افغانستان ضد الاتحاد السوفيتي الي العراق وسوريه ولبنان واليمن. وهذا ما تعرفه الادارة الأمريكية، ولعبت عليه جيداً ضد السوفيت، وهي لازالت الي اليوم تلعب عليه في ظل ان من يقود هذا المحور المقاومة والممانعة هي قوي اصولية وجهادية اخذت الطابع الطائفي المذهبي (ولاية الفقيه)، وكل ذلك من اجل تكريس تقسيم الدول العربية المنزوية في هذا المحور المقاومة والممانعة. على اساس طائفي. حيث ان استثارة الماضي وتحويله الي راهن، هو ما عمل على اساسه الاستعمار حينما دعم الاصولية الدينية، وهو ما ورثته امريكا من بريطانيا وفرنسا، وتعمل على تحقيقه الان بالاتكاء على هذا المحور المسمى بالمقاومة والممانعة كما مع القاعدة وداعش.  وبالتالي فإن هذا المحور المقاومة والممانعة هو المرادف للسيطرة الامبريالية والخادم لها، سواء كان بوعي او غير وعي وبغض النظر عن الشعارات التي يرفعها هذا المحور المقاوم والممانع وخصوصاً استغلاله للمسألة الفلسطينية. هذا الوضع يفرض على القوي الوطنية اعلان موقف واضح من هذه التنظيمات الاصولية والجهادية ومن محورها؟ ان فتاوي الجهاد التي نسمعها في كل يوم من الموت لأمريكا ولإسرائيل عبر وحدة الساحات والجبهات (التي تعمل الادارة الامريكية والاسرائيلية على شطبها كما تدعي اليوم) بات هذا المحور عبئاً على اي مقاومة وطنية واي حراك شعبي وطني، فقد بدأت بالقتال ضد السوفيت في افغانستان بدعم امريكي تحت فتوي (الإيمان / الإلحاد) وانتقلت الي القتال ضد امريكا والغرب عموماً (الغرب الصليبي)، ومن ثم انتقلت الي فتاوي ضد الشيعة الروافض) والي (السنة الكفار )(كل حسب طائفته) لتكون حرب طائفيه، وبالتالي ليتحول (الجهاد) ضد طائفة بعينها. المقاومة الوطنية والحراك الشعبي الوطني يحتاج الي رؤية سياسية، وليس الي فتاوي، لقد ولي زمن الفتاوي لتحل محلها السياسة؛ كما ولي زمن العرف ليحل محله القانون لأن الفكر تطور، وأصبح للسياسة قوانينها التي لا تؤخذ من (الكتب المقدسة).

الأن بات من المهم تغيير زاوية البحث والنظر في (التنظيمات الاصولية والجهادية من تنظيم القاعدة الي داعش الي محور المقاومة والممانعة) انطلاقاً من رؤية مختلفة. وذلك عبر مناقشة افكارها، وبنيتها ودورها بعيداً عن الجانب العقيدي، او المنظور (الديني / الطائفي) الذي تقوم عليه هذه التنظيمات والذي ينطلق من ان هذا المنظور هو الذي يحدد سياسات هذه التنظيمات، ويشير الي (الاعداء) الذين تحاربهم هذه التنظيمات والجبهات والساحات التي تخاض منها هذه الصراعات. او الانطلاق من ان هذا الجانب العقيدي هو نتاج تخلف، تعيشه المنطقة العربية والاقليمية التي ينتشر الاسلام فيها، وبالتالي التوصل الي ان نشوء هذه التنظيمات هو (نتاج طبيعي) لواقع مجتمعاتنا العربية والاقليمية (إيران / تركيا). بحيث يظل الربط قائماً وقوياً بين الدين الاسلامي وهذه التنظيمات الاصولية والجهادية ومحورها المقاومة والممانعة والتي جري اعتبار انها نتاج توليف افكار الخميني وخامنئي او الوهابية، بن لادن والزرقاوي، ومن ثم البحث في الخلافات الفقهية بين هذه وتلك. وهي خلافات شكليه وهذا ما شاهدناه من خلال التحالفات بين إيران وتركيا مع هذه التنظيمات الاصولية والجهادية لأن الاساس هو المصالح وليس العقائد ولا الدين، بعيداً عن الفتاوي والتفسيرات الفقهية التي يطلقها خامنئي من المنبر الديني او فتاوي القاعدة وداعش والتي هي بحكم الالتزام بها من قبل سواء محور المقاومة والممانعة او من قبل القاعدة وداعش ذلك ان الفتوي او التفسير الفقهي هو اداة (ايديولوجية)، للتغطية على ممارسات وسياسات ومن ثم هو لاحق لها وليس سابقاً عليها. هو لاحق لسياسة، وليس سابقاً، ومحدد لها. فالفتاوى يمكن ان تصدر عن (شيخ او ملا او ايه) في منطقة مهمشة، ويفتعل فعل في حدود هذه المنطقة، اما ان يتعلق الامر (بتنظيم عالمي) او بمحور من دولة إيران ومن مليشيات طائفية وكلاء وأذرع تسيطر على دول عربيه، تمتلك امكانيات ماليه واعلاميه وعسكرية صواريخ بالستية فرط صوتيه. فهو خارج حدود الواقع الضيق الذي تتشكل منه عناصر هذه التنظيمات، الآتين من مناطق مفقرة ومهمشة بالمعني الحضاري، وحيث الفتاوي ذاتها، لا تخرج عن ان تقنع فئات من ذلك النمط، وحيث ان المنظور (الديني) او الطائفي الذي تطرحه تلك التنظيمات شكلاني و (حسي) بما يناسب تلك الفئات (سياسة القطيع). وبالتالي فهي لا تملك كل المقدرات والامكانيات التي تسمح بلعب هذا الدور المحلي والاقليمي، ولا التحول الي محور (المقاومة والممانعة) والي قوة عسكرية تهدد الدول المجاورة، فهذا يحتاج الي تجاوز (الحسي) الي (العقلي) وهو ما لا يتوفر في هذه الفئات المفقرة والمهمشة. ان الفئات المهمشة التي تنخرط في هذا (المشروع) او هذا (المحور المقاومة والممانعة) تنخرط بناء على (الفتوي)، لكن (الفتوي) ذاتها تأتي انطلاقاً من (مشروع) أكبر يبحث عن النفوذ والتوسع والهيمنة أكبر ومن سياسات، تخدم اخرين. والنظر يكون من الاهداف التي تطلق على اساسها الفتاوي من اجلها. بمعني ان هناك ما هو (عقلي) يؤسس الفتاوي، على ضوء سياسات واستراتيجيات. هناك الكثير من اليسار كان وما زال يراهن ويتمني ان تركز هذه التنظيمات الاصولية والجهادية حربها ضد الاحتلال الامريكي او الاسرائيلي بدل الصراع على السلطة والتوسع والنفوذ والوصاية الذي يمارسه من يتحكم في هذا المحور المقاومة والممانعة، وهذا اليسار لا يري ان الاصولية تجعلها تغلب اوهام الماضي على الواقع الراهن، وتعيش وهم حرب (تحرريه). لا تفضي سوي الي تدمير المجتمعات كما هو حادث اليوم في غزة ولبنان واليمن والعراق وسوريه. وبالتالي ضمان استمرار الاحتلال الامريكي والاسرائيلي بدل السعي الي طرده، الامر الذي يشير الي ان المنطق الاصولي عاجز عن مواجهة المشروع الامبريالي والاسرائيلي وبات مهزوم امامه، وعلى العكس من ذلك فهو يضعف مقاومة هذا الاحتلال عبر اثارت الطائفية والصراع والانقسام على السلطة والقوة والثروة والغنيمة. المطلوب اليوم هو توحيد كل القوي الوطنية لمواجهة المشروع الامبريالي والاسرائيلي والايراني واشراك كل قطاعات الشعب في المقاومة المدنية. وليس فصائل ومليشيات مسلحة طائفية واصولية وجهادية لان ذلك هو وحده الذي يسمح بتحقق الانتصار. اما تقسيم الشعب الي اديان وملل وطوائف ووثنيات وبالتالي خوض حرب (دينية) فلن يقود الا لتكريس السيطرة الامبريالية والاسرائيلية والإيرانية على القضية الفلسطينية وعلى المنطقة العربية، وهنا يجب ان يكون واضحاً ان الصراع هو صراع سياسي، وليس صراعاً دينياً او طائفياً بأي حال من الاحوال فأمريكا وإسرائيل تبحث ايضاً عن السيطرة والهيمنة والنهب، لا لأنها (تمثل قوة دينية) بالرغم من هيمنة التنظيمات الاصولية الصهيونية على الحكومة الحالية، فطالما دعمت امريكا وإسرائيل القوي الاصولية الإسلامية. وهذا ما وضحناه في هذه الورقة تضخيم التنظيمات الاصولية والجهادية- في الوقت الراهن.

المرجع: كتاب صور الجهاد، للكاتب سلامه كيله