كيف فهم الاسلام السياسي (الشيعي والسني)، واليسار في البحرين العلمانية.
مع بداية اشهار تنظيمات سميت بالجمعيات اصولية مبنية على البعد الطائفي والمذهبي والديني وجمعيات يسارية منذ بداية اشهارها بحثت عن تنسيق وتعاون ومن ثم تحالف مع هذا الاسلام السياسي، وهنا عانت العلمانية عند هذا اليسار في البحرين من سوء فهم، لم يرافقها منذ البدء ولكن تلبسها هذا السيار منذ ان تصاعد دور الحركة الاصولية سواء كانت الشيعية او السنية في المشروع الاصلاحي وفي ظل الانفراج السياسي والهامش الديمقراطي الذي بدء به هذا المشروع، رغم ان هذه الحركة الاصولية وفي ظل تماهي هذا اليسار معها ركزت منذ البدء لعزل اليسار عن الحراك السياسي وعن قدرته للوصول الي البرلمان اي بعزله عن الحاضنة الاجتماعية سواء في المدن او القري او في كل المؤسسات التي تبلورت مع بداية المشروع الاصلاحي الاتحادات النقابية والنقابات والجمعيات المهنية والشبابية والنسائية وعن كل ما له علاقة بالمجتمع المدني، ولكي تهزم وتعزل اليسار في البحرين وبالتالي (تهزم)، العلمانية، ركزت على انها اي العلمانية واليسار الذي يطرحها (تعني الالحاد تحديداً) وكان من الطبيعي اولاً ان يفهم العقل الاصولي عند هذا الاسلام السياسي وكذلك التدين العفوي عند الجماهير ثانياُ المسألة على هذه الشاكلة لأنه لا يري سوي الالحاد خارج فضاء الايمان، ولأن العلمانية لا تدعو الي الايمان بل تدعو الي الحياد لأنها تتعلق بالسياسة، وضعت في موضوع الإلحاد، وسنلمس بأن هذا الدفع الحدي للعلمانية عند الجمعيات الاصولية الطائفية وحتى للأسف عند اليسار القومي واليسار (الاشتراكي)، هو رد فعل طبيعي من ايديولوجيا اصولية استبدادية تسعي لأن تهيمن على كل شيء مع بد انطلاقها في المشروع الاصلاحي، وبالتالي تري في تحييد دور الدين السياسي الذي يطرحه التيار اليسار العقلاني الديمقراطي العلماني تدميراً لها، اي تدميراً للدين، وهذا هو (الإلحاد بعينه)، رغم ان العلمانية تقر الحق في ممارسة كل الشعائر الدينية كونها تتعلق بحق شخصي. وهذا كان غائب ومغيب عند اليسار في البحرين تحت الخوف من سلطة الرموز الدينية وجمعيات الاسلام السياسي بشقيه. وهذا راجع الي ان ممارسة هذا اليسار في البحرين كانت تقف موقف ان (الوعي الحداثي) او (الذي يدعي الحداثة) كما هو موجود عند اليسار الرائج في البحرين لم يكن قادر على تجاوز الوعي التقليدي العامي او الاصولي، لهذا لم يخرج عن منطوق الايديولوجيا التقليدية او الاصولية الدينية في رؤيته للعلمانية. اي انه لم يستطيع ان يراها إلا من منظار ديني (او يمكن القول من منظار وعي تقليدي). فقد كان المشكل الذي بدء يتبلور في البحرين هو ذاك المتصل بربط الدعوة الي العلمانية بأقليات (هنا نرجع الي من حاول ينبش في التاريخ اليسار في البحرين ان اول من اسس حزب شيوعي في البحرين هم الايرانيون من حزب توده الايراني) او انها جاءت من المسيحين العرب المتمركسين الخ على وجه العموم، باعتبار ان من مصلحة هذه الاقليات ان يتحقق فصل الدين عن الدولة، لكي تتجاوز التهميش الذي وضعته (الاغلبية) فيه، لتصبح العلمانية (فكراً مستورداً) تستغله الاقليات الدينية او العرقية من اجل زحزحة وضع الاغلبية الدينية.
ان الاسلام السياسي السني والشيعي ينطلقون من الايديولوجيا التقليدية التي تنطلق منها الاصولية، والقائمة على تأبيد مفهوم سواء الاغلبية الشيعية كأغلبية دينية او الاغلبية السنية كأغلبية دينية، وبالتالي تأبيد سيطرة هذه الاغلبية الدينية والطائفية كونها حق مطلق. بمعني ان هذه النظرة تنطلق من الديني لهذا نري في طرح العلمانية لتحيد الدين (مؤامرة) من الاقليات ومن اليسار الديمقراطي العلماني. وبالتالي هي تنطلق من ابدية هذه الثنائية القائمة على الدين والطائفة، والقصد هنا اغلبية واقليات. واي طرح لتجاوزها يعني تدميرها. والعلمانية تتضمن تجاوز هذه الثنائية اغلبية شيعية واقلية سنية بكل تأكيد، لأنها تفرض حيادية الدولة تجاه كل الأديان والطوائف، مع رفض لتحويل الدين الي مشروع سياسي يستند الي (سلطة مقدسة)، والعلمانية هنا تطرح صيغة للسياسة تتجاوز التفسير الديني على حسب هوي الاسلام السياسي الشيعي والسني، وتري البشر من منظور السياسي، اي كونهم مواطنين متساوين. وكل هذا يغض الطرف عنه اليسار الرائج في البحرين؟! ان هذه الرؤية لدي الاسلام السياسي بشقيه لا تري في العلمانية سوي حل لمشكلة الاقلية / الاغلبية، او لمؤامرة من قبل الاقلية السنية او اليسار العلماني للتخلص من الاغلبية الشيعية، والعكس صحيح بالنسبة للسنة رغم ان العلمانية هي تطرح حل لمشكلة المجتمع حل يقوم على الغاء التمييز الذي تضعه سواء الاقلية او الاغلبية الدينية – الطائفية، والقائم على اساس ان هناك المسلم الذي له كل حقوق السلطة السياسية وغير المسلم الذي يجب ان لا يحكم وليس له حقوق كما يطرحها الشيخ عيسي قاسم (عدم جواز حكم المؤمنين بغير المؤمنين) والقصد هنا عدم تمكين اليسار الديمقراطي العلماني من التواجد في السلطة سواء كانت تشريعية او قضائية او تنفيذية. اضافة للأقليات المسيحية الخ. وبالتالي فأن العلمنة هنا هي دعوة من اجل (المساواة) في المواطنة ومن ثم في الحقل السياسي، حيث ان العلمانية هي حل لمشكلة سيطرة الايديولوجيا التقليدية والاصولية التي تميز بين المسلم وغير المسلم (والمسلم هنا عند السنة تعني اهل السنة تحديداً، وعند الشيعة الولي الفقيه الي اخره من مراجع). بمعني ان العلمانية هي الصيغة التي تحسم هيمنة الايديولوجيا الاصولية على الوعي لمصلحة الحداثة، ليس في المستوي السياسي فقط بل في مستوي الوعي كذلك، لكيلا تعود الايديولوجيا الاصولية هي الايديولوجيا المسيطرة. حيث ان الانتقال الي الحداثة يفرض تجاوز الايديولوجيا التقليدية والاصولية التي هيمنت لقرون قبل التغلغل الامبريالي واستمرت بعد ذلك الي الان، ولقد قاتلت من اجل استمرار هيمنتها بعد تغلغل الفكر الحديث (الليبرالي والاشتراكي). المسألة هنا التي لا يفهمها اليسار الرائج في البحرين تتمثل في تجاوز (وعي) هو نتاج القرون الوسطي لمصلحة وعي حديث (بدل حداثة التخلف او فقه التخلف الذي وقع فيه اليسار في البحرين). فإذا كانت الحداثة بدأت بالعقلانية على صعيد الوعي، حيث أصبح العقل هو المنتج لرؤي البشر، فقد كانت الديمقراطية والعلمانية (والعلمانية قبل الديمقراطية) هنا الشكل السياسي الذي حدد طبيعة الدولة. بمعني انه إذا كانت العقلانية قطعت مع الوعي القديم (وعي القرون الوسطي) على المستوي المنهجي، فإن العلمانية هي التي قطعت على المستوي السياسي، لأنها كرست ازاحة الايديولوجيا المتكئة على الدين عن موقعها المهيمن لمصلحة ايديولوجيا حديثة كانت اخذة في التبلور. هذا الموقع الذي هيمنت عليه جمعيات الاسلام السياسي بشقيه في البحرين عبر كونها ايديولوجيا هذه الجمعيات الاصولية والطائفية مثلت لها سلطة، واستطاعت هذه الايديولوجيا الاصولية ان تصيغ لوعي عبر المدارس الرسمية، وكذلك كونها التشريع ذاته، وبالتالي فإذا كانت العقلانية قد اسست لوعي جديد منذ الخمسينيات الذي لعبت فيه الحركة القومية والاشتراكية دور مهم وبالتالي اسست لأيديولوجيا حديثة. فإن العلمانية هي التي من المفترض ان تفتح افق تحولها الي الهيمنة. وهذا هو المفوت عند اليسار الرائج في البحرين، ذلك ان فصل الدين عن الدولة يسمح لصيغة جديدة للنظام السياسي في التشكل في المشروع الاصلاحي. بمعني ان لا حداثة من دون العلمنة وهذا حال يسارنا في البحرين حداثة من دون علمنة، حيث ان العلمنة هي اساس تبلور مبدأ المواطنة (كبديل عن الملل) وارادة الشعب كبديل عن ارادة المرشد لإخوان المسلمين او المرشد اية الله للجمعيات الشيعية التي تستغل الطائفة. وهاتان المواطنة وارادة الشعب همًا مبتدأ الديمقراطية وهذا ما لا تعيه ولا تفهمه لا جمعيات الاسلام السياسي بشقيه او اليسار الرائج في البحرين.
ان مشكلة عدم فهم العلمانية لدي الاسلام السياسي في البحرين بشقيه، وكذلك لدي اليسار الرائج، ليست مشكلة اقلية تسعي لأن تلغي هيمنة ايديولوجيا الاغلبية كما يتوهم الاسلام السياسي او اليسار، بل هي اساس الدخول في الحداثة، واساس تحقيق الديمقراطية، حيث لا ديمقراطية دون مبدأ المواطنة وارادة الشعب وليس ارادة زعماء ورموز وامناء عامين، وفتاوي من رجال دين او ملالي وهي التي سلبت هذه الارادة من الشعب وحولتها اليها. وبسيطرة ايديولوجيا تكرس سلطة مقدسة او سلطة احادية استبدادية تلغي الانسان في البحرين. اي تلغي ذاتيته وارادته. لهذا سنلمس انه يمكن ان تتحقق العلمانية دون الديمقراطية كما شهدناها في النظم الاستبدادية الدكتاتورية في العراق وسوريا، لكن ليس من الممكن ان تتحقق الديمقراطية دون العلمانية. وبالتالي فإن مشكلة العلمنة تكمن في عدم فهم الاسلام السياسي واليسار الرائج انها تكمن، في انها اي العلمانية عنصر (جوهري) في اي نظام سياسي مطابق لتكوينات اقتصادية اجتماعية جديدة تبلورت مع نشوء الرأسمالية في البحرين وهي في اساس تجاوز نظام الخلافة ونظام الولي الفقيه، النظام الذي يقوم على سلطة المرشد سواء الاخواني او الولي الفقيه او الخليفة عند القاعدة وداعش المستمدة من الله، حيث يكون البشر رعايا في مملكتهم. اذن يمكن القول بأن العلمانية هي مشكلة الاغلبية الشيعية او السنية والاقليات او اليسار الديمقراطي العلماني فالمسألة تتجاوز هذا، انها مشكلة المجتمع في سعيه للتغيير والتقدم والذي يعيق هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج، وعبر الانتقال والتحول الي تكوين سياسي حديث في ظل المشروع الاصلاحي ان هذا التغيير والتقدم المراد له اتي مع حركة التنوير والنهضة العربية والذي استمده من الثورات البورجوازية في اوروبا. وهو المستقبل لكل البشرية، لأنه يشكل تقدماً في طبيعة النظام السياسي، ليس مكتملاً طبعاً لكن خطوة مهمة الي الامام، هنا المسألة تتعلق في طبيعة النظام السياسي المطابق للعصر الجديد، العصر الذي يتجاوز او (ينزع الي تجاوز) العصر الزراعي والقبلي والطائفي، وكل اليات النظام السياسي الذي حكمه. بمعني انه يجب العمل على تأسيس النظام السياسي المطابق للحداثة وليس المطابق للتخلف والظلامية كما نشاهده عند الاسلام السياسي بشقيه، وصحح ان هذه الحداثة اتت بها الرأسمالية كتطور، والتي ليس بالضرورة ان تكون من حق الرأسمالية فقط. فهي خطوة الي الامام يمكن ان يبني عليها.
كل الاتجاهات والجمعيات التي تبلورت في المشروع الاصلاحي وخصوصاً التي ربطت تبني العلمانية كجمعية وعد المنحلة والجمعيات القومية شكلاً وحتى المنبر التقدمي للأسف، بالأقليات انطلقت من وعي اصولي، وعي لم يقطع مع الوعي التقليدي والاصولي، فظل في بوتقته، رغم انه لهج مصطلحات جديدة، لكنه رفض كلية الوعي الحديث، انه الوعي الهجين (حداثة التخلف) او (فقه التخلف) الذي ساد في العقل القومي واليساري في البحرين، فما بالك في عقل الاسلام السياسي بشقيه، كل هذا العقل والوعي الخواء عند الاتجاه القومي واليسار في البحرين، الذي كان ميل ميزان القوي بين الجمعيات والتيارات المتصارعة، في بداية تبلور المشروع الاصلاحي في ظل الانفراج السياسي والهامش الديمقراطي، خصوصاً بين الاصولية واليسار والذي تحول من تعاون الي تنسيق الي تحالف في كارثة الدوار. وتحت حجة الديمقراطية دافع هذا اليسار الرائج والقومي عن الايديولوجيا الاصولية (الاسلام السياسي بشقيه)، ودافع عن حق هذه الايديولوجيا والتنظيمات المعبرة عنها الاسلام السياسي عن حقها في الوجود، بينما هي تقوم على اقصاء ونفي الاخر وبالذات اليسار الديمقراطي العلماني؟ وبالتالي تكرس سلطة مقدسة فوق البشر، وتشريع أصبح من الماضي، وعلاقات اجتماعية مغلقة عفا عليها الزمن وشرب. بحجة انها (شريعة المقدس). ولهذا رفض ما يكشف عورات هذه الايديولوجيا والقصد هنا العلمانية، لان هذه العلمانية تضع الحد بين سلطة البشر وسلطة ما فوق البشر. وهذا ما لا يفهمه هذا اليسار الرائج في البحرين وجمعيات الاسلام السياسي السنية والشيعية. ان مبدأ الديمقراطية الاول هو المساواة بين المواطنيين، وهو ما يناقض التشريع التي تراه وتريده جمعيات الاسلام السياسي بشقيها والذي تسعي تلك القوي الي تطبيقه في البحرين.. ويتناقض مع ارادة الشعب حيث توضع اراده مقدسة فوقه. على العكس من ذلك فهذا التشريع الذي تراه جمعيات الاسلام السياسي بشقيه (الطائفية) هو يميز بين المواطنيين على اساس الطائفة وفهمه هو للدين، ويمنع ارادة البشر بحجة انها مصاغة مسبقاً في الشريعة، وهو اخيراً يكرس المرشد او الامين العام او اية الله او رجال الدين او الملالي (الحاكم الفرد) كحاكم مطلق. يطلق الفتاوي ويطلب الاذعان والانصياع لها، حيث بدل ان يبحث الناس في واقعهم ويضعون القوانين التي تطابقها، او تعبر عنها، ويخضعون ويشرعون القوانين التي تطابقها، او تعبر عنها، يخضعهم هذا الاسلام السياسي بشقيه للشريعة التي تبلورت قبل خمسة عشر قرناً؟ والتي عبرت عن واقع محدد لم يعد موجوداً. ولهذا ينصب الامين العام ومن خلفه مجلس شورى معين شكلي الوفاق او جمعية المنبر الاسلامي، الذي من مهمتهم او مهمته أن يطبق تلك الشريعة. اذن العلمانية هي جزء من منظومة الحداثة، وليس من الممكن ان تتحقق الحداثة بمعزل عنها، وبالتالي فإن الساعين الي تحقيق الحداثة يجب ان يكونوا علمانيين لكي يكونوا منسجمين مع توجهاتهم. دون ان يخضعوا العلمنة للتكتيك السياسي او للمماحكات السياسية كما يفعل اليسار الرائج في البحرين، لهذا يجب النظر المنسجم لمسألة العلمانية في البحرين، ولعلاقتها بالديمقراطية، وبكل مسار الحداثة، حيث لا حداثة بدونها.
لم يتحقق ولم يتبلور الي الان في البحرين فهم حقيقي (حول العلمانية) وخصوصاً عند اليسار الرائج. وهذا ما سمعناه في ندوة مجلس بن رحب عن الانسان المعاصر الذي تحدث فيها عبدالله جناحي حول الهويات. صحيح انه تفادي استخدام مفهوم (العلمانية) كما تعودنا من (مفكري وعد) وانه ذهب الى مبدأ المواطنة وما سماه التشاركية وبعدها ادخل التوزيع العادل للثروة اي العدالة. وكل هذا المشهد ينبني على (هويات فردية طائفية وقبلية) وتكون المحصلة هي الهوية الوطنية الجامعة والذوبان فيها. وهذا يذكرنا اولاً بنظرية الاستشراق لدي افلاطون هويات تدور على نفسها لتشكل الهوية الجامعة؟ وهو هنا لا يري ان العلمانية او المواطنة تري كجزء من صيرورة تكون فكري، وتطور واقعي، بل هو ينظر لها كحل لمشكلة موضوعية هي مشكلة هويات طائفية وقبلية واقليات دينية وعرقية او اغلبية دينية او طائفية او عرقية الخ. حيث ينطلق عبدالله جناحي من ان (تعايش) او كما يراه (تشارك) او (توافق) هنا هو ينطلق من (الديمقراطية التوافقية)، سواء الاقلية او الاغلبية الطائفية او القبيلة في وضع ليس فيه توزيع عادل للثروة والتي يمتلكها 1 بالمئة الذين يقع فوق الهرم يقابلها 99 بالمئة الذي هم يشكلون بقية الهرم؟! وان هذا يفرض الحاجة الي الهوية الجامعة اي التي تجمع كل هذه الهويات المتنوعة لكي تتضخم الهوية الوطنية الجامعة، ويتم ابعاد الهويات الفرعية؟! مع انه لا يذكر العلمانية كما عودتنا جمعية وعد المنحلة وهو هنا يحاول ان يستبدل(العلمانية) اي الحاجة الي العلمانية بالهوية الوطنية الجامعة. وهذه النظرة عند عبد الله جناحي تغرق العلمانية في السياق (الطائفي) لان هذه الهوية الوطنية الجامعة هو (تجميع لهويات طائفية وقبلية تدور حول نفسها) لتبدو وكأنها مطلب للهوية الطائفية الدينية فقط، ومن ثم ان تحققها هو من كرم الاغلبية الدينية او الاقلية الدينية الحاكمة هنا يظهر انها مطمح للهوية الطائفية او مطمح (الاقليات) الدينية فقط. وليس مطمح المجتمع النازع الي الحداثة بغض النظر عن الاصول الدينية لمواطنيه والي التحرر من هيمنة وسلطة الطائفية او القبلية، وهنا تبدوا عند عبد الله جناحي انها (مسايرة) لهذه الهويات الطائفية او الاقليات أكثر منها ضرورة لتطور تاريخي وصيغة لشكل جديد من الدولة يساوق العصر الذي نعيش فيه ويتجاوز كل هذه الهويات المغلقة والمتناحرة والمتفاصلة. فالشعب من المفترض ان لا يكون مجرد تجميع لطوائف وقبائل فهذا لا يصنع شعباً. وهذه مشكلة هذا اليسار الرائج الذي بدل ان يقوم بتحليل المجتمع من بعده الطبقي و (الصراع الطبقي) ينقله ليتمظهر في صراع هويات وطوائف وقبائل، وهنا سيبرز انه لم تكن من حاجة للعلمانية في اوروبا (فرنسا مثلاً حيث كانت تسيطر الكاثوليكية كدين رسمي). وهي ليست حاجة في باكستان (رغم وجود اقلية شيعية)، او أكثر في تونس والجزائر والمغرب، حيث يسيطر الاسلام السني (والمذهب المالكي). هي فقط كما يراه عبدالله جناحي في حاجة للهوية الوطنية الجامعة (العلمانية) في بلاد الشام ومصر والعراق حيث تكثر الاديان و (الاقليات) الدينية. والسؤال هنا لماذا نشأت العلمانية في اوروبا؟ لماذا اصبحت مطمحاً للبرجوازية الصاعدة من الجانب الطبقي وليس الطائفي او القبلي في فرنسا والمانيا، بريطانيا وامريكا؟ بغض النظر عن الاشكال التي اتخذتها هنا وهناك (متطرفة في فرنسا، و (هادئة) في المانيا، وبريطانيا وامريكا. اما لا يفهمه هذا اليسار الرائج والاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي انه لم تنشأ (الحاجة) الي العلمانية من وجود (اقليات او الأغلبيات دينية) بل نشأت نتيجة (الصراع على الهيمنة الايديولوجية بعد نشوء البورجوازية، حيث كانت ايديولوجيا دينية هي المهيمنة قبل نشوء البورجوازية، وافضي نشوؤها الي تبلور ايديولوجيا جديدة سعت ان تكون هي المهيمنة، وبالتالي كانت العلمانية حلاً لهيمنة الايديولوجيا التي تقوم على الدين، تستند الي المقدس وفي ثنايا ذلك جاء حل مشكلة الاقليات الدينية او الطائفية حينما انوجدت (مثال اليهودية هنا في اوروبا)، ولم تكن نتيجة هذا الوجود، وجاءت كنتيجة لتغيير النظر الذي اسس لتطور فكري جديد، فرض اعادة صياغة الدولة على اسس جديدة وكذلك اعادة صياغة الوعي المجتمعي.
لماذا لم ينطلق (المفكر عبدالله جناحي)، من العلمانية كمفهوم؟ حيث انه ركز في مداخلته حول الهويات، على المواطنة والتشاركية والتوزيع العادل للثروة. هنا فأن عبدالله جناحي في حال استخدم مفهوم العلمانية فإنه سوف يصطدم ب (فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة)، مما يعني انه سوف يصطدم بالإسلام السياسي الذي نظر له في البحرين (المفكر عبدالله جناحي)، في كتابه المعنون بالكتلة التاريخية حيث وضف افكار جرامشي للمساومة التاريخية مع الاسلام السياسي. وهو بعيد كل البعد عن النظر الي ان العلمانية جاءت ك (خاتمة) لصيرورة الحداثة، التي بدأت بتغيير النظرة الكوزموجينية (العالمية) التي انطلقت من اولوية العالم والكون على الطبيعة (وبضمنها البشر)، حيث انطلقت من الكليات الكبري (من المجردات)، من العلة الاولي (الإله في الفلسفة والقوي ما فوق الطبيعة الدين)، ليعاد تأسيسها انطلاقاً من الواقع، من الطبيعة (وبضمنها البشر). وهنا نشأت العقلانية، ليصبح العقل هو الصانع بدل القوي ما فوق الطبيعة. يصبح العقل هو (العلة الاولي)، من هنا تبلور مفهوم (ارادة البشر) بعيداً عن اي ارادة اخري (وهذا ما حاول ان يتجاوزه الكاتب عبدالله جناحي حيث ركز فقط على المواطنة (والهوية الوطنية الجامعة) والتشاركية والتوزيع العادل للثروة)، لأنه يعرف ان من يمثل (الارادة)في ظل القوي التي يراها فاعلة هي ارادة الامين العام او ارادة الرموز او ارادة الزعماء او الملالي او رجال الدين) وليس (الارادة الشعبية)؟! وهو الامر الذي يفرض اعادة تعريف البشر كمواطنين وليس كأتباع دين، كمواطنين وليس طوائف وقبائل تحت هوية دينية. لتكتمل الدورة بإعادة صياغة الدولة بعيداً عن الدين، وهذا ما لا يفهمه (المفكر عبدالله جناحي)، كون الدولة تتأسس من (ارادة البشر) بوصفهم مواطنين فيها (الشعب مصدر السلطات)، وهنا من الطبيعي ان تكون العلمنة هي النتيجة الطبيعية، لأنه كان وسيكون من الطبيعي ان تنزع العلمانية الطابع الديني عن الدولة (وهذا ما يخشي طرحه الكاتب عبدالله جناحي)، وان تتحول الدولة الي دولة (مدنية) خاضعة لإرادة البشر (وليس دينية طائفية خاضعة للزعماء والرموز والآيات ورجال الدين)، وبالتالي ان تتحول الدولة الي دولة (مدنية) خاضعة لإرادة البشر، وبالتالي اصبح ممكناً ان تكون دولة ديمقراطية (وليست تشاركية او توافقية بين طوائف او قبائل كما يري عبدالله جناحي)، ما دامت ارادة المواطنيين في الدولة المدنية الديمقراطية هي مصدر السلطات والدستور والقانون. اذن هذه الصورة المخالفة لكل ما طرح (المفكر عبدالله جناحي)، تشكلت في تضاد مع الايديولوجية السائدة التي تستمد قوتها من الدين / الطائفة. وفي اوروبا هو التضاد بين البورجوازية الناشئة والنظام الاقطاعي القديم. حيث تبلورت رؤية جديدة للعالم تناقض الرؤية القديمة التي سادت طيلة قرون متكئة على الدين. والعلمانية في صلب هذه الرؤية الجديدة. واذا كانت العلمانية هي التجاوز لهذه الرؤية في المستوي الفلسفي، فإن (القومية) هي التجاوز لها في مستوي (الهوية) حيث جري الانتقال من التعريف الديني، والطائفي والتمايز الديني والطائفي الي التعريف القومي والتمايز القومي والعلمنة هي التجاوز لها في مستوي الدولة، وليس كما يري عبدالله جناحي (تجميع لهويات فرعية لتخضع للهوية الوطنية الجامعة)؟!.فلم تعد الدولة في العلمانية هي ارادة الإله او قوي ما فوق الطبيعة، ومنفذ لإرادته، بل اصبحت تنبع من ارادة المواطنين الاحرار (والذين تحرروا من هيمنة الطائفة التي تستغل الدين)، وهو ما يؤسس لنشوء القوانين المدنية الوضعية والتعليم المدني، وهو الامر الذي عني فصل الدين عن الدنيا، الدين عن الدولة. وبالتالي فصل الدين (كطقوس) عنه كأيديولوجيا تتضمن تشريعاً (مقدساً)، وكذلك كصيغة للدولة والسلطة التي تكون تحت هيمنة الاسلام السياسي، وللعلاقة التي سوف تتشكل بين هذه السلطة الدينية وبين رعاياها (المطبقة في إيران مثلاً هنا)، وهذه الدولة المدنية الديمقراطية سوف تقر ممارسة الطقوس والشعائر الدينية بكل حرية لكن دون ان يعني بالسياسة والدولة. بمعني انه تحدد بكونه (شأناً شخصياً) وعدم التدخل في الشأن العام.
لم يفهم هذا اليسار الرائج انه لكي يتطور المشروع الاصلاحي لا بد من تحديث البني في كل المجالات والمستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفلسفية وانه ليس من الممكن ان تنتصر الحداثة دون العلمنة، وليس من وعي (حداثي) دون ان يكون علمانياً، وهذا اليسار الرائج وكذلك الاسلام السياسي في البحرين لم يعي ان الوعي الحداثي لا يفترض الغاء الدين (وهذه التهمة التي يهابها اليسار الرائج)، حيث يمكن ان يكون الشخص متديناً وعلمانياً معاً، لأن المسألة هنا تتعلق فقط في كيفية النظر الي الدين، هل هو (دين ودنيا) ام انه (معتقد) فقط؟ وبالتالي فإن العلمانية هي (وعي ذاتي) للأقليات الدينية او الطائفية، ولكن بالأساس للأغلبية الدينة. لأنها تخل عن (ايديولوجيا)، اي منظومة تشريعات ورؤى تقوم على الدين، لمصلحة تشريعات (مدنية حديثة)، وهذه تشمل الاغلبية الدينية اولاً كما تشمل الاقليات الدينية. (وهناك كانت لنا ورقة منشورة على موقع التغيير الديمقراطي تحت عنوان في مسألة طائفية الدولة ناقشا هذه المعلومة حيث ان الدولة في البحرين ومن يحكمها ليس الاصولية ولا الطائفية كم يفهمها الاسلام السياسي بشقيه او اليسار الرائج في البحرين)، حيث ان هذا التخلي عن (الايديولوجيا) اي منظومة تشريعات ورؤى تقوم على الدين لمصلحة تشريعات مدنية حديثة، حيث انه مطروح ل (الاغلبية) الدينية اولاً، كما تشمل الاقليات الدينية. لأن ايديولوجيتها هي المهيمنة، وبالتالي فإن تجاوز هذه الايديولوجية المهيمنة يلغي (التعارض) مع الاقليات، لأنه يلغي النظرة التي تؤسسها للآخر / الاقليات. حيث يصبح كل من كان من (الاغلبية) ومن (الاقليات) مواطناً، له الحقوق ذاتها. ان انهاء سيطرة هذه الايديولوجيا يلغي النظرة التي تشكل (الاغلبية) بمعناها الديني، وايضاً (الاقليات) بمعناها الديني لتتحول الي اديان وطوائف وقبائل لها الحقوق ذاتها، بعيداً عن المجال العام. وهذا ما لم يفهمه الكاتب عبدالله جناحي ولا الاسلام السياسي بشقيه. ولا شك في ان التركيز على ايديولوجية (الاغلبية) نابع من كونها الايديولوجيا المهيمنة حتى الان، عند الاسلام السياسي بشقيه او عند اليسار الرائج ايضاً، رغم كل الميول الحداثية التي تغلغلت فيها او ما يسميه الكاتب اليساري مرشال بيرمان (حداثة التخلف) او ما يسميه خلدون النقيب (فقه التخلف). ان النظر الي العلمانية من زاوية (الاقليات) يتجاهل اذن، الحداثة بمجملها، ويؤسس ل (علمانية) مناقضة للعلمانية لأنها تنطلق من وضع (الاقليات) في التكوين السياسي، كما ينظر لها الكاتب عبدالله جناحي. وليس تجاوز الايديولوجيا المهيمنة، وتأسيس مجتمع (مدني) حديث يقوم على اساس المواطنة اولاً، وارادة الشعب ثانياً وفصل الدين عن الدولة ثالثاً والديمقراطية رابعاً وليس كما يري الكاتب عبدالله جناحي على المواطنة والتشاركية والتوزيع العادل للثروة والذي حاول ان ينظر لها من جانب ميكانيكي كالساعة التي تحمل تروس إذا فقد ترس لن تعمل الحداثة والتنمية الخ. اذن المواطنة، ارادة الشعب، فصل الدين عن الدولة، والديمقراطية (وليست الديمقراطية التوافقية بين طوائف او قبائل)، وبالتالي يتأسس على دستور وضعي وقانون مدني حديث، ليست (الشريعة) مصدره الرئيسي او الوحيد، او الاول. وهو المجتمع الذي يعيد الاديان والطوائف والقبائل الي وضعية الشأن الشخصي (وليس كامتياز سياسي ديني، طائفي قبلي) اي بعيداً عن الشأن العام. وهنا تحل مشكلة (الاغلبية) كما مشكلة (الاقليات)، ان تجاوز الايديولوجيا المهيمنة سواء الاصولية او غيرها هو الاساس هنا، ومشكلة الاقليات الدينية والطائفية تحل في هذا السياق وليس في سياق هويات فرعية طائفية وقبلية تكون تحت هوية (وطنية) جامعة. او اي سياق اخر.
ان النقطة التي يقف عندها الاسلام السياسي بشقيه وكذلك اليسار – في البحرين هي خوفهم من طرح اليسار العلماني الديمقراطي، (فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة)، ليكون السؤال هنا هل العلمانية هي بديل الدين او ضد الدين؟ ضمن رؤية الاسلام السياسي واليسار الرائج في النقاش الجاري حول العلمانية فهم يطرحون ذلك، وهم يصورونها كذلك، فإذا كان الدين يخرج عن كونه عبادات الي ان يصبح ايديولوجيا، كما كان يصوره (الشيخ الغريفي ان الدين خرج من المساجد والمأتم والحوزات الي الشارع السياسي ليقوده … الخ بمعني ما عاد اليسار هو الذي يقود هذا الشارع السياسي)، او كما يقول (الشيخ عيسى قاسم عدم تمكين غير المؤمنين من حكم المؤمنين). وكذلك ينطبق القول هنا على رجال الدين في الطرف السني. هنا تصبح العلمانية كذلك ايديولوجيا مضادة للدين، اي (الحاد). لكن هذه النظرة الي العلمانية تخرجها عن طابعها الحقيقي وعن كونها (الحل الوسط) للصراع التاريخي بين (الايمان والالحاد).وهذا الفهم غائب عند هذا الاسلام السياسي بشقيه واليسار الرائج في البحرين، بعدم النظر للعلمانية بانها (الحل الوسط) بين الايديولوجية التي تتلفع بالدين في العصور الوسطي الكهنوتي، والتي يتبناها هذا الاسلام السياسي بشقيه، الي الان وبين ايديولوجية حديثة تعبر عن وضع جديد، وهو (حل وسط)، بمعني انه يلغي الايديولوجية الاصولية والجهادية لمصلحة الحداثة دون ان يلغي الدين، على العكس من ذلك جري اعتباره من (الحريات الشخصية) التي لا يجب المساس بها. لهذا ليس من الممكن تحويل العلمانية الي ايديولوجية الا عبر الغائها، وان ظلت كتسمية عند من يتبناها ك ايديولوجية كشكل كتعبير. لأن تحويلها الي ايديولوجية لا يمكن ان يقوم الا عبر تحميلها (شحنة عنيفة ضد الدين) وهذا كان محور النقاش الذي دار بين كارل ماركس وانجلز مع فورباخ المادي. وهنا تتحول الي شيء أقرب الي (الإلحاد). وبالتالي لا تعود (كومبرومايز) او (حل وسط). وتخرج عن كونها خطوة سياسية تتعلق بصيغة الدولة، الي كونها اتجاهاً فكرياً (وهنا تقبع الايديولوجيا) ونصل هنا الي انه تصبح ايديولوجية ضد ايديولوجية بدل ان تكون حلاً سياسياً للعلاقة بين الدين (كمعتقدات وعبادات)، وبين الحداثة التي لم تعد تقبل بأي (تقديس) للأفكار او للسياسة التي يدعيها هذا الاسلام السياسي بشقيه واليسار الرائج و /او حتى للممارسة الاجتماعية. ان العلمنة هي تحييد / فصل واعادة ترتيب للعلاقة بين الدين والسياسة، حيث كان الدين متداخلاً مع السياسة، او كان في مرحلة حاكماً للسياسة، ومؤسساُ لتشريعات اقتصادية واجتماعية وقانونية وسياسية، بهذا المعني كان الدين ايديولوجية متضمنة للعبادات والعقائد عند الاسلام السياسي وكذلك اليسار الرائج. وبهذا المعني كان يعبر عن مصالح طبقات (وليس كما يدعي طوائف شيعية وسنية)، في السابق هي الاقطاع والاقطاعية والان التي تلونت بالرأسمالية، او كانت القداسة التي يضفيها الدين على الافكار عند هذا الاسلام السياسي او اليسار الرائج في البحرين هي المدخل لتكريس مصالح هذه الطبقات وتحت مظلته كانت تخضع الفلسفة والمعرفة والعلوم السياسية. فيما نسميه بفقه التخلف او حداثة التخلف. ولقد نشأ الصراع في الاقطاعية بين ممثلي هذه الايديولوجية وهم (الكنيسة) وفي الطرف الثاني العلماء وايضاً مع الفكر. حيث كان الهدف هو تكريس النظرة المعرفية والاخلاقية والمجتمعية التي تعمم وكأنها هي (الدين) وإنها فرع من الدين لهذا كان صراع العقلانية ضد القوي ما وراء الطبيعة، الصراع الذي كرس سلطة العقل وينفي ان هناك قوة فوقه. وفي هذا السياق كانت تنشأ (النزعة الإلحادية) التي كانت تؤسس للتضاد مع الدين كدين، وليس مع الرؤي السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تعمم باسمه. وهذا ما يحاول الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين ان يتهرب منه ومن ثم يبتعد عن طرح العلمانية. في ندواته وخطاباته السياسية والاقتصادية والفكرية.
بالرغم من اليسار في البحرين وكذلك الاسلام السياسي يتحدثون كثيراً عن (الحرية) حرية التعبير حرية الكلام، حرية النشر، الحريات السياسية، … الخ ولكن هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج لا ينطلقون من ان (العقلانية) اسست لنشوء فكرة الحرية، وإنها بالضد من الجبرية عند الاسلام السياسي بشقيه التي تفرض باسم الدين، والالتزام والانضباط (الجبرية) عند اليسار الرائج التي تفرض التنفيذ اولاً. فقد باتت الحرية عند هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج تناقض ذاتها، لأن الحرية تفرض القبول بمعتقدات الافراد، لهذا كان من الضروري بلورة النظام السياسي الذي يحل هذا الاشكال. الامر الذي فرض التمييز في الايديولوجية التي تتكئ على الدين بين العبادات والمعتقدات الدينية، وبين التشريعات والنظم الاقتصادية والاجتماعية والاحكام الشخصية التي تأتي بها هذه الايديولوجية. بحيث تنفي التشريعات، اي ينفي ما هو عمومي (او عام) ويبقي ما هو شخصي. وهذه الصيغة هي التي فرضت (العلمانية) كهدف سياسي، وكجزء في بنية الدولة بالضبط لأنه هنا ستكون (الحل الوسط) بين (الايمان والإلحاد)، بمعني ان العقلانية في المستوي الفلسفي كانت تفرض العلمانية في المستوي السياسي لكي تتسق مع ذاتها. وفي هذا الوضع يحب ان يفهم هذا اليسار الرائج بأنه لن تكون العلمانية في تناقض مع الدين، الدين كعيادات ومعتقدات، على العكس من ذلك فهي تفرض وجوده، كما تفرض حريته. فهي تقر بحرية المعتقد الديني، وبممارسة كل الشعائر الدينية، واي تعد على ذلك هو تعد على العلمانية ذاتها. وهذا ما لا يفهمه هذا اليسار الرائج في البحرين. اذن (المعركة) لمن يريد ان يخوض معركة هي في المستوي الفلسفي لكن ليس ضد الدين بل ضد النظرة المعرفية التي كانت سائدة في الماضي والحاضر او من يستغل هذا الدين. هذه النظرة المعرفية التي كانت تحول العقل الي (ناقل وحافظ ومتلقي)، وتلغي عنه صفة (المفكر)، وبالتالي كانت تلغي الفكر، وتحصر المعرفة في حدود الدين او الطائفة، وفيما يقول الدين وما تقوله الطائفة، وبالتالي ترفض كل ميل للشك، او اعادة التفكير، او المراجعة النقدية، او اية منطقية تتنافس مع الموروث الديني او الطائفي. وهي معركة يخوضها اليسار العقلاني العلماني الديمقراطي، من اجل اعادة تأكيد دور العقل، والتأسيس الفكري. وهنا فإن العلمانية هي ليست (راس الحربة) ضد الدين، انها الحد الضروري من اجل عدم اقحام الدين في الشأن العام، وان الدين بات شأناً شخصياً، ويجب ان يقر كحق في هذه الحدود، لكن خارج الدولة، بعيداً عن الشأن العام، وهذا لا يعني الا يشارك رجال الدين في السياسة، بل يعني الا يشاركوا حاملين الدين او الطائفة كداعم لوجه نظرهم الدنيوية كنوع من الامتياز السياسي لهم، وكمضيف للقداسة على افكار يقولونها او فتاوي يفتون بها ويطلبون من الناس الاذعان والانصياع لها، وبهذا فمن حقهم (المشاركة) كأفراد في السياسية وفي وظائف الدولة السياسية بعيدين كونهم ملالي او رجال دين، اي يتركوا قداسة الدين خارجها. لهذا (يمكن لليسار الرائج ان يزيل تخوفه من العلمانية لأنها ليست البعبع الذي يتم تخويفه من قبل الملالي او رجال الدين)، يجب ان يفهم هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين ان العلمانية لم تكن ضد الدين، وليست الان ضد الدين، بل هي ما يطلق عليه هيغل (التركيب) في العلاقة بين الفريضة ونقيها، حيث اذا كان (القانون الديالكتيكية قانون نفي النفي) هو يسر هكذا (اي اذا كان النفي هو الغاء الفريضة، فإن التركيب (نفي النفي) هو تضمن اي استعادة للفريضة في تكوين موحد مع النفي، ومن لا يفهم العلمانية في هذا الاطار يحولها الي دين جديد، وبالتالي الي ايديولوجية، انها نتاج اعتبار الشأن العام معطي دنيوي، وبالتالي خارج نقاشات العقائد الدينية، والصراعات ضدها عبر تحويلها الي شأن شخصي.
لم يفهم هذا الاسلام السياسي ولا اليسار في البحرين ان طرح العلمانية المرتكز على فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة انه يقابله موقف للعلمانية يقول: يصبح الهجوم على الدين من موقع (علماني) هو تعد على العلمانية، هو امتهان للعلمانية هو نقل لها لأن تصبح ايديولوجية كما تم الاشارة سابقاً. بينما يكون الميل للتدخل في الشأن العام (في السياسة) باسم الدين هو تعد على العلمانية كذلك، هو تدمير لها. فلا شك في ان الايديولوجية الاصولية التي تتكئ على الدين ترفض حتى (حرية المعتقد)، لهذا لا ترفض فقط (اللا دينيين) (عدم جواز حكم غير المؤمنين للمؤمنين)، بل والطوائف الدينية، والاديان لدي الغلاة من معتنقيها. وهي تسعي لفرض رؤية وحيدة شمولية استبدادية على الضد من كل (الحريات). وهذه الايديولوجية الاصولية والجهادية تهزم التركيب الذي اسس للعلمانية ذاتها. والذي هو من اسس الدولة المدنية الحديثة. وبالتالي فإن العلمانية هي أحد بنيان الدولة غير الدينية، والذي يفرض وضع حد لكل الذين يسعون لتشكيل دولة دينية، كما هو نموذجها في إيران او تركيا او لبنان او العراق او سوريا او اليمن يقودها الاسلام السياسي الشيعي او السني حيث نري كيف تلاشت الدولة الحديثة فيها. هذا باختصار ما يمكن تحديده في هذا المجال. لكن دون ان تقحم العلمانية في (صرا ع ضد الدين). العلمانية اذن ليست كما يفهما الاسلام السياسي او اليسار الرائج في البحرين انها (ضد الدين)، ولا يمكن لها ان تكون كذلك إلا إذًا وضعت في صيغة متطرفة تلغيها من اساسها. بل هي الصيغة التي تتضمن (استمرار الدين) في العصر الحديث عبر تكيفه مع الحداثة، اي عبر تحوله الي (شأن شخصي ومعتقد شخصي)، ودون ان يلغي دور المتدينين في الشأن العام (في الحياة السياسية) حيث انهم افراد ومواطنين. مع التأكيد الا يشاركوا حاملين الدين كداعم لوجهات نظرهم الدنيوية، كمضيف للقداسة على الافكار والفتاوي التي يقولونها. وهنا نطرح هذا السؤال على الاسلام السياسي بشقيه واليسار الرائج الذي يهاب ويخاف من طرح العلمانية وهو: كيف ينظر هذا اليسار الرائج او الاسلام السياسي الي العلمانية هل هي من وجهة نظرهم فلسفة / عقيدة ام سياسة؟
كان هناك سؤال مهم تم طرحه في الحلقة السابقة وهو كيف فهم الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين العلمانية وكيف تعامل معها هل نظر لها بانها فلسفة / عقيدة ام سياسة؟ لقد تعامل هذا الاسلام السياسي وللأسف تبعه اليسار في البحرين مع العلمانية كفلسفة، ولهذا يكون تدخل العلمانية في افكار وممارسات الناس سمة من سماتها. وهذا ما يطلق عليه العلمانية المتطرفة، مثل العلمانية (الفرنسية والتركية)، حيث تدخلت كل من هاتين الدولتين في النظر الي الزي الشخصي (الحجاب)تركيا فرضته على المواطنيين وفرنسا منعته عن المواطنيين، كما تدخلت كل من هاتين الدولتين العلمانيتين في العديد من المسائل الآخرى، وهي هنا تبدو في تصارع مع الدين، وهي اي العلمانية التي قامت لكي تتجاوزها، لأنها كانت الصيغة التي تؤسس لحيادية بين الايمان والإلحاد، فتستوعب وجودهما معاً، انطلاقاُ من مبدأ حرية المعتقد وحق ممارسة الشعائر والطقوس. والسؤال هنا هل العلمانية فلسفة؟ كما يراها الاسلام السياسي واليسار في البحرين؟، بمعني هل هي رؤية شاملة للحياة والسياسية؟ هنا تتحول العلمانية عند هذا اليسار الي(عقيدة)، وتصبح في تصارع مع العقائد الآخرى. وتصبح مثل الماركسية عند اليسار الرائج او الليبرالية عند هذا اليسار فهمت كعقيدة رغم انها اي العلمانية عنصر فيهما. وكمثل الديمقراطية حينما تصبح (عقيدة) رغم انها تصور سياسي لطبيعة اليات الدولة، ولكي تصبح كذلك يجب ان تكون تصور ممارسة لدي الافراد، والعلمانية – كما تم الاشارة سابقاً – هي تصور سياسي يتعلق بأليات الدولة تجاه العقائد والاديان، ينطلق من حيادية العلمانية، وبالتالي من منع العقائد والاديان ان تهيمن عليها. اي انها بالتحديد حياد الدولة تجاه الدين، حيث يتحول الدين الي معتقد شخصي فكيف عن شموليته التي تجعله يميل الي الهيمنة على الدولة وتأسيس دولة دينية، والعلماني هو من يكون في حياد مع على المستوي السياسي تجاه الاديان، وبالتالي لا يميز على اساس الدين، ولا يقحم الدين في الصراعات السياسية، ولا يدعي بأن الدين دنيا، وهنا يكون للفرد (فلسفة) ما، الليبرالية او القومية او الماركسية، ويكون له رؤية سياسية ما تبني على هذه ال (فلسفة). وحين يتقدم كسياسي يطرح (فلسفته)هذه بغض النظر عن دينه وممارساته فيما يتعلق بالدين. ان الحد الذي تضعه العلمانية هو نزع المقدس عن الافكار السياسية بالتحديد. وبالتالي فهي تضع الحد هنا فقط، حيث انها لا توافق على افكار وممارسات وترفض افكاراً وممارسات، فهي فقط ترفض اعطاء هذه الافكار والممارسات طابعاً مقدساً بمعني انها لا تتدخل في الافكار مهما كان مصدرها إذا لم تدع الي القداسة، إذا لم تتكل على قوي ما وراء الطبيعة. وبالتالي تلغي امكانية الحوار، لأنها ترفض نقد (افكارها المقدسة)، وتعتقد انها يجب ان تطبق لأنها مقدسة وليس لأنها تخدم البشر وتحقق تطورهم ورفاههم، وهنا يفترض بداهة ان المقدس هو في خدمة البشر، وإذا لم يخدمهم يصبح ذلك امتحان لهم، رغم انه يمكن ان تطرح افكار اخري تخدمهم دون هذا الامتحان، ودون المس بالدين والأدهى هنا ان يخدم (المقدس) فئة الملالي ورجال الدين فئة محدودة مرفهة على حساب بقية البشر.
ولكن لماذا يتخوف الاسلام السياسي والاغرب هو لماذا يتخوف اليسار من العلمانية؟! ان تأكيد العلمانية على فصل الدين عن الدولة وكذلك فصل الدين عن السياسية، اي فصل الدين عن الدنيا هو تأكيد نزع المقدس. حيث المقدس يمثل بالنسبة لها امتياز يرفعه على العالم الدنيوي ويعطيه لقب الآية او الزعيم او الرئيس او الامين العام. اما بالنسبة لتخوف اليسار البحريني من ما تطرحه العلمانية من فصل الدين عن الدولة وعن فصله عن السياسية وفصل الدين عن الدنيا بمعناه السياسي هو تأكيد عن نزع المقدس وهنا والملالي او رجال الدين الإخوانية عن الصراعات السياسية عبر نزعه عن الافكار ولكيلا يأخذ التشريع الدنيوي المتغير، طابعاً مقدساً بفعل ارتباطه بالدين وبقوي ما فوق الطبيعة وبالتالي يصبح المس به هو مس بالدين ذاته، حيث اصبح التشريع مع الحداثة هو من حق البشر انفسهم، وانتصرت ارادتهم ارادت الشعب، وهي عملية التحرر التي اوجدتها الحداثة بعد ان تكرست العقلانية. حقهم بوعيهم وافكارهم، التي يمكن ان تتأثر بالموروث الديني والثقافي او لا تتأثر. او تتأثر بالميول الإلحادية او لا تتأثر. او بتبني الحداثة بمختلف تياراتها، هنا يمكن ان يقر الشعب قيماُ وسياسات محافظة او تحررية، لكن بعيداً عن اللعب بقداسة الدين، وهي هنا افكار بشرية وليست من مصدر ألهى او ما فوق الطبيعة. بمعني ان الافكار الواردة في الشريعة يمكن ان تطرح كمقترحات قوانين، لكن دون الانطلاق من انها جزء من الدين، بل كونها تلبي حاجات واقعية للبشر ولا يعتمد في ترويجها على كونها جزء من (كلام الله)، جزء من الدين ذاته، بل كونها اراء فردية مفيدة للبشر. اي انه يمكن ان تطرح افكار او يقدم مشروع قانون يدعو الي تعميم الحجاب مثلاً، لكن ليس لان الشريعة تفرض ذلك بل لأن ذلك مفيد للنساء. او حتى يمكن ان يدعو الي تعدد الزوجات لكن انطلاقاً من كونه مفيد للمجتمع. وهنا يجب الا يتهم اي رد او رفض لهذه الافكار من منطلق مخالفة الدين، على العكس سيكون من حق اي كان ان يرفض هذه الافكار وان يهاجمها، وضمن ذلك يمكن ان تتبني مجمل الافكار غير (المقدسة)، افكار يمكن دحضها دون ان يجري الاتهام بالإلحاد، واللجوء الي التكفير. هنا يمكن تقبل الفقه الاسلامي كأفكار وليس كجزء من الدين، كحلول لمشكلات البشر وليس كعقيدة جبرية، دون الالتزام بها لأنها من عند المقدس. اي عبر تحويل الفقه الي تراث فقهي وسياسي واخلاقي واقتصادي، او الي تصور فكري لكن تأسيسا على الفصل بين الدين والدولة، وبالتالي رفض كل الاتجاهات التي تدعو ا الي عودة الربط بينهما وتأسيس دولة دينية، بمعني ان مبدأ الدولة لا يقبل بالحزب او الجمعية الذي يدعوا الي الدولة الدينية لكنه لا يرفض الافكار كأفكار وليس فتاوي، حتى وان كانت جزء من الدين او الايديولوجيا الدينية. اذن العلمانية هي (حد) سياسي يلقي على الدولة دور (منع اللعب بالمقدس في السياسة الواقعية)، كما كان من المفترض ان يفعل اليسار ذلك ايضاً كونه يساراً علمانياً ديمقراطياً. من اجل تحقيق المساواة بين المواطنيين في المشاركة بالشأن العام. بمعني ان ليس من حق الدول التدخل بالأفكار ما دامت الافكار لا تستند الي المقدس بغض النظر عن مصدرها، لكنها تتدخل حينما يجري السعي لتحويلها هي ذاتها الي دولة دينية (كما عند الاحزاب الدينية الاخوانية والشيعية) وحينما يستخدم اي كان من الافكار كونها افكاراً دينية وليست افكاره الخاصة.
هنا نفتح باب مهم ضمن مفهوم العلمانية وخاصة بالنسبة لليسار العلماني الديمقراطي، لكي لا ينزلق في المحظور ويفوت الفرصة على الاسلام الاصولي بشقيه في البحرين. وهذا يتعلق في البداية بالخلاف حول لفظ (العلمانية) هل هي بالفتح او الكسر ل حرف العين. وهو سيكون مؤشراً على المعني المعطي لها، والذي بدوره يوضح، مجمل التشوش الذي يطالها، لأن كل لفظة تشير الي مصدر، وهما مصدران مختلفان الي حد كبير. وربما كانت العودة الي المصدرين هي التي تؤشر الي سوء الفهم الذي يكتنف (العلمانية)، حيث تعطي معان مختلفة. والسؤال كيف؟: العلمانية بفتح العين مأخوذة من العالم، اي الوجود، من الدنيا (وهذا هو معني التعبير الانجليزي)، وبالتالي يكون البحث والعمل وفق ما هو موجود في الوجود بعيداً عما (فوقه). بينما العلمانية بكسر العين: مأخوذة من العلم، اي العقل من الوعي. وهذا هو (معني التعبير بالفرنسي) وما من شك في أن المسألة هائلة بين كل منهما. حيث تعني العلمانية (بفتح العين) ترك المقدس فيما يخص شؤون الدنيا، اي فيما يخص شئون السياسة والمجتمع، لهذا فهي تعبير سياسي بامتياز، بينما تعني العلمانية (بكسر العين) ترك المقدس فيما يخص العقل، الوعي، الفكر بالمعني الشامل من خلال التفكير العلمي البحت. وهو الامر الذي يفرض علمنة العقل عبر التفكير العلمي – بالتالي – تجاوز الدين، وهي هنا ربما تقود الي ان تكون إلحاداً. لأنها تحيل الي ضرورة تحويل العقل الي عقل علمي. يتعامل مع الطبيعة والسياسة والمجتمع انطلاقاً من عملية صارمة. العلمانية بالكسر هنا تساوي العلمية. وبالتالي فهي تعني كل ما هو (غير ديني) (لا يبك كما بالفرنسية). وهنا يمكن لليسار العلماني الديمقراطي ان ينزلق ويقع في المحظور، ذلك ان الفارق هنا هائل بين تحيد الدين فيما يخص السياسة والمجتمع وبين ان يطرد من العقل، ففي الاولي يبقي الدين جزء من وعي قطاع من البشر لأن العلمانية (بفتح العين) لا تفرض من الا يكون هو اساس التشريع والنظام السياسي، وبالتالي تفرض احترام ممارسة الشعائر الدينية، بينما يصبح من الحاسم ان يتخلص العقل من التفكير من منظور ديني والتزام التفكير العلمي، قبل التأكيد على فصل الدين عن الدولة، وبالتالي يصبح العلماني هو من لا يمارس الشعائر الدينية، ومن لا يقيم اهمية لآراء الاخرين حين تتعلق بالتزام ممارسة الدين. هنا يصبح التدخل في المعتقدات والطقوس الدينية حتمياً، الامر الذي يدفع الي الصدام مع المتدينين، والميل الي اظهار العلمانية كتيار الحادي، وهذا هو المنزلق الذي يتم التحذير منه. لكي لا يقع فيه اليسار العلماني الديمقراطي.
بعد التجربة المدمرة التي مرت بها الشعوب العربية والدول في الوطن العربي من صراعات مذهبية وطائفية ودينية، والتي كانت تهدف الي هدف وحيد وواحد وهو انتزاع السلطة والقوة والثروة تحت غطاء الدين والطائفة ولنا في تجربة المشروع الاصلاحي في البحرين مثال على ذلك وفي كل الدول التي توضع تحت مسمي مزيف هو محور المقاومة والممانعة، ومنها الاسلام السياسي في البحرين بشقيه وكذلك اليسار الرائج في البحرين. مما يضع مهمة القوي الحية والمدنية واليسار العلماني الديمقراطي هي تغيير طابع النظام السياسي بما يفضي الي فصل الدين عن الدولة لكي لا يتكرر المكرر ولا يجرب المجرب، وانطلاقاً من ذلك تطرح الان مسألة العلمانية (بفتح العين) كحل مركب بين الإيمان والإلحاد من خلال تجاوز الاشكالية هذه عبر تأسيس دولة تتضمنهما معاً. مما يعني تخليص الدين من احكامه الدنيوية التي تتعلق بالسياسة والمجتمع، وبالتالي الحفاظ على طابعه (الديني) (الذي يتعلق بالعبادات)، في الوقت ذاته قبول (التيار الذي يراه الاخر انه إلحاد)، كجزء من التيارات الواقعية في المجتمع دون ان يكون هو اساس تكوين الدولة الحديثة. عندما يتحقق ذلك عبر الاقرار بحق الدين وحق الإلحاد، ورفض اي ميل لكل منهما للسيطرة ونفي الاخر، وهنا يصبح الإلحاد تياراً فكرياً ليس أكثر، كما كان يراه ماركس وانجلز في نقدهما للفيلسوف فورباخ الالماني المادي. وبالتالي يشمل في إطار الحريات العامة التي هي سمة الدولة الحديثة. اما عن مسألة العقل فهي تتعلق بمستقبل قادم (وها نحن نري الذكاء الاصطناعي) حيث يصبح العقل العلمي او الذكاء العلمي هو اساس تكوين المجتمع، وحينها يتقرر طابع النظام السياسي وفق الوعي انبذ. بالطبع يجب تعميم العقل العلمي، وتطوير الوعي على هذا الاساس، لكن ذلك ليس شرطاً للعلمانية، وليس هي العلمانية، هذا سياق تطور (نخب علمية) وليس اساس تكوين سياسي مجتمعي. وهو فعل مرتبط بتغيير (التكوين الاقتصادي) (الثورة العلمية التكنولوجية ومنها الان الذكاء الاصطناعي)، القائم وتطوير الوعي العام عبر المدرسة الحديثة / المستقبلية (مدارس الحاضر والمستقبل)، ومستند الي حرية الاختيار وليس جبرية الاختيار. العلمية مستمدة من العلم الوضعي، وتتعلق بالطبيعة والمادة المشكلة لها وبالتالي بما هو (مادي) وهنا نري كيف باكتشاف جزئ النانو جرت تطبيقاته على كل العلوم بما فيها النانو تكنولوجي في الطب فما بالك في الصناعات العسكرية الخ. حين تتم الاشارة الي ذلك يتم تأسيس للتناقض بين ما هو مادي وما هو ميتافيزيقي (ما وراء الطبيعة) في العقل، ويكون الهدف هو تجاوز الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة)، التي تحكم النظر الي الوجود، سواء نحو العقلانية او نحو المادية. هنا يكون نفي فكرة المقدس ضرورياً او (طبيعياً)، لأن كل من العقلانية والمادية ينطلقان من الوجود (بغض النظر عن اساس هذا الوجود: العقل او الواقع المادي) ويتجاوزان ما هو فوق العقل). وبالتالي تكون العلمانية هنا هي التجاوز لفكرة المقدس. ومن ثم تتحول الي الحاد حين توضع في (سياق سياسيي) اي حين تصبح من اسس تشكيل الدولة الحديثة، ولهذا لا تكون الدولة علمانية بل (ملحدة) وهذا اسوء ما تكونه. ولهذا يتم التحذير للتيار الديمقراطي العلماني من السقوط في هذا المحظور، لأن الدولة هنا هي التمثيل لتكوين المجتمع بمعني ما، اي انها المعبر عن تناقضات المجتمع ليس الطبقية حيث ان الدولة اداة الطبقة المسيطرة، بل (الايديولوجية) او (الثقافية) وهو الوضع الذي يشمل ضمن (مبدأ الحريات)، وهي هنا تعتدي على احد عناصره، اي ذلك المتعلق (بحرية المعتقد)، وتكون هنا الدولة معكوس الدولة الدينية، الدولة التي ستقود الي مناهضة الدين، بمعني انها تبقي ضمن الاشكالية التي حكمت العصور السابقة، والقائمة على تناقض (ايمان إلحاد)، لكن هذه المرة ليس كتيار فكري بل كسلطة سياسية. ان تجاوز منطق الدولة الدينية لا يكون من خلال تأسيس الدولة الملحدة، لأنها هنا سوف تتناقض مع التكوين المجتمعي، وبالتالي تؤسس لتصلب الاصولية الدينية واكتسابها قوة ليست فيها.
في هذه الفترة الراهنة وفي ظل الواقع الذي تبلور بعد كارثة الدوار 2011، وتداعياته على المجتمع وعلى الحركة السياسية بالسلب وليس الايجاب وهنا السلب ليس بالمعني الجدلي بل بالمعني التدميري حيث تم تدمير المجتمع المدني والمؤسسات التي تبلورت معه من نقابات والاتحادات العمالية والنسائية والشبابية والذي قلص الهامش الديمقراطي المتاح والانفراج السياسي المتاح. وفيما يخص هذه الورقة التي نكتب فيها كيف فهم الاسلام السياسي بشقيه في البحرين وكذلك اليسار الرائج في البحرين، بعدم فهمه للعلاقة ما بين الدين والسياسة والدين والدولة وفصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة وبالتالي نتكبب فهمه للصيغة وهي (الأيمان مقابل في الإلحاد) حيث مثل ذلك نقطة الضعف التي استغلتها الحركات الدينية الاصولية بشقيها في محاولتها لعزل اليسار في البحرين عن الشعب وعن المؤسسات التمثيلية المدنية والسياسية تحت وصمها للجمعيات اليسارية بانها (جمعيات ملحدة )، في الوقت الذي خضعت الجمعيات اليسارية الرائجة لهذا الطرح. كل هذا حدث لأن هذا اليسار الرائج لم يفهم ان التطور في المشروع الاصلاحي لا يقوم من منطلق (الجدل المادي)، ومن قانون الجدل المادي ووحدة وصراع الاضداد ومن القانون المهم في الجدل المادي وهو قانون نفي النفي على السلب (الإلحاد في مقابل الإيمان) بل على تجاوز هذه الاشكالية ذاتها من خلال التضمن. وهو ما تم الإشارة له في الحلقة السابقة. وهنا كما ذكر سابقاً تفترض العلمانية (بفتح العين) وليس العلمانية (بكسر العين)، كونها الصيغة التي تتجاوز التناقض (ايمان / إلحاد)، دون ان تلغي اي من طرفيه. ومن ثم يمكن اعادة تأسيس الوعي المجتمعي في البحرين في ضوء الظروف الجديدة ما بعد تداعيات مشروع الدوار، ليس كتضاد مع الدين بل كمنطلق في التفكير لدي اليسار العلماني الديمقراطي يقوم على اسس علمية. وهنا يترك التدين (كشأن شخصي) محمي من قبل القوانين التي تحكم الدولة. بمعني انه لا يمكننا ان نبدأ من تغير (الوعي المجتمعي) الذي بلورته جمعيات الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين لكي يتم تحقيق التطور في المشروع الاصلاحي، بل لابد من تحقيق (التطور) اولاً لكي يصبح ممكناً تغيير الوعي المجتمعي وليس العكس، مع ملاحظة بأن الاعتقاد الديني هو (شأن شخصي) تماماً، ليس المطلوب (نفيه) كشرط لتحقيق التطور او تغيير الوعي المجتمعي، وهذا هو المحظور الذي يجب ان لا ينزلق فيه اليسار، العلماني الديمقراطي في البحرين. ويجب ان يفهم هذا اليسار ان كل محاولات (الصدام) في المرحلة الراهنة مع الحركات الدينية الاصولية وجمعياتها، في هذا المجال لا تفعل سوي عرقلة التطور في المشروع الاصلاحي، وتصليب (الوعي الاصولي)، اي تحويل المعتقد الديني الي وعي اصولي وجهادي متطرف. وكما ذكرنا سابقاً جاءت العلمانية (بفتح العين) كحل مركب بين الإيمان والإلحاد من خلال تجاوز الاشكالية هذه عبر التأكيد على تأسيس دولة تتضمنهما معاً. مما يعني تخليص الدين من احكامه الدنيوية التي تتعلق بالسياسة والمجتمع وبالتالي الحفاظ على طابعه الديني (الذي يتعلق بالعبادات) في الوقت ذاته قبول الإلحاد كجزء من التيارات الواقعية في المجتمع دون ان يكون هو اساس تكوين الدولة الحديثة، ويتحقق ذلك عبر الاقرار بحق الدين وحق الإلحاد، ورفض اي ميل لكل منهما للسيطرة ونفي الاخر، وهنا يصبح الإلحاد تياراً فكرياً ليس أكثر ويشمل في إطار الحريات العامة التي هي سمة الدولة الحديثة.
لازال اليسار الرائج والقومي في البحرين يتخبط كقارب (مسمر) تتقاذفها الامواج والرياح، لإنه فقد كما يقال بوصلته. والبوصلة فيما يخص هذه الورقة هي العلمانية (بفتح العين) حيث لم يجرؤ على وضعها ضمن اجندته السياسية، وتحت مبررات عدة منها ان الواقع السياسي الذي تبلور مع المشروع الاصلاحي تغير في ظل موازين القوي حيث باتت الحركات الدينية الاصولية (الاسلام السياسي بشقيه) تهيمن على المجتمع ويهيمن كل شق منها على طائفة (شيعية / سنية)، وان اليسار قد انحكم لهذا التقسيم العمودي والافقي في المجتمع وخصوصاً ان الدولة قد سمحت بإشهار جمعيات سياسية دينية طائفية كمدخل الي العمل السياسي في المشروع الاصلاحي تحت وثيقة ميثاق العمل الوطني. وبالتالي كانت هي البوابة لربط الدين بالسياسة وبالدولة. ولم يجرؤ اليسار الرائج والقومي في البحرين ان يحدد موقف ولم يري خطورة هذا الاشهار على العمل السياسي بل اندفع في عقد ورش وندوات مع هذا الاسلام السياسي بشقيه كمن يحفر قبره بيديه. وتحت مبرر التنسيق والتعاون والتحالف مع الاسلام السياسي بشقيه ضاع هذا اليسار ولم يجرؤ بطرح العلمانية (فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة)، وهو لا يزال بعد فقد بوصلته (العلمانية) متخبط، ويعيش حالة من التشوش والاضطراب السياسي والفكري والاقتصادي والاجتماعي لأنه مازال مربوط بذيل الاسلام السياسي بشقيه فكل ما يفعله هو ترقيع في بنيته التنظيمية ومحاولة جسر الهوة بخطاب سياسي لا يلامس التحولات التي حدثت سواء في البحرين او دول مجلس التعاون او في الاقليم او العالم. وهو لا يزال لا يري بأنه بالإمكان تبلور خطاب اخر ولكن هذه المرة (علماني متشدد) هو نتاج ميل هذا الاسلام السياسي الي الهيمنة على الدولة وفرض التشريع الديني، رغم ان مجتمعنا لم يخرج منه بعد تماماً، لكن لن يكون الحل في العلمانية المتشددة بل في العلمانية (بفتح العين) حيث بات يتعين فصل الدين عن الدولة وتحقيق احترام كل المعتقدات.. والمقاربة هنا تتم الاشارة الي اوروبا ان الفارق بين التعبير الانجليزي للعلمانية (بفتح العين)، والتعبير الفرنسي (بكسر العين) فيما يتعلق بالعلمانية يؤشر الي طبيعة العلمنة في كل من فرنسا وانجلترا، حيث يبدو ان هنا مسافة مهمة، هي التي فرضت القول بعلمانية متشددة (الفرنسية) وعلمانية مرنة (الانجليزية). وربما كان الصراع ضد الكنسية، التي كانت تتدخل في الشأن السياسي وكانت المدافع عن النظام الاقطاعي، هو الذي فرض هذا التشدد الفرنسي من اجل كبح تدخلها في الشأن السياسي، بخلاف انجلترا حيث كانت البروتستانتية تميل الي عدم التدخل في الشأن السياسي، وبالتالي لم تدفع الدولة الي استصدار قوانين متشددة. ان الاسلام السياسي بشقيه واليسار الرائج والقومي في البحرين يعيشون الازمة التي تعيشها التيارات الايديولوجية المختلفة، وازمة التطور المجتمعي معاً، وهذا كما يراه هذا اليسار الرائج انه من الممكن ان يكون عبر الاصلاح الديني او اصلاح جمعيات الاسلام السياسي بشقيه كمدخل للعودة للعمل في المشروع الاصلاحي وازالة قانون كما يسميه هذا اليسار (العزل السياسي)؟ وبالتالي نعيد المكرر ونجرب المجرب. وفي العادة تكون صورة اوروبا في خلفية التفكير حين التأكيد على هذا الاصلاح الديني. حيث البروتستانتية هي المقدمة لتحقيق الثورة الرأسمالية، ولهذا نجد انه تتكرر محاولات الاصلاح الديني من قبل مفكرين، وربما رجال دين وملالي كذلك، عبر الدعوة الي تحقيق هذا الاصلاح.
في الوقت الراهن يدور حديث عام حول ظاهرة الاسلام السياسي الاصولي والارهابي، وكيفية التعامل معه من قبل سواء الانظمة او اليسار الديمقراطي العلماني او اليسار الرائج او القومي، حول هل هناك اسلام سياسي حركي معتدل واسلام سياسي حركي محافظ؟ وهل سوف يقوم الاسلام السياسي بشقيه بالدعوة الي المراجعة النقدية، وخصوصاً ان هاذين الشقين من الاسلام السياسي السني او الشيعي مرتبطون بدول وازنة في المنطقة ايران ومحورها المسمى بالمقاومة والممانعة والحديث الاخير الذي يطرح في ايران انها مع ترطيب الاجواء في منطقة الخليج عبر ايصال التيار (الاصلاحي) للسلطة (تغيير شكلي) او لتركيا في الطرف السني حيث بات هي ايضاً تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع الانظمة العربية مما ينعكس سلباً على الاخوان المسلمين كما شاهدنا كما يقال مراجعات الاخوان في السجون المصرية وكان التوقيت هو قبل زيارة رئيس دولة جمهورية مصر العربية السيسي الي تركيا؟. وكما اطلعنا على مداخلات لما يسمي بالرموز في البحرين وبنقدهم للحراك السياسي في 2011 والذي تمركز حول نقطة واحدة وهي انهم اخطئوا في عدم التقاط الفرصة التاريخية التي طرحها ولي العهد وسميت ب بالنقاط السبع. كل هذا المشد لازال ضبابياً ويشهد نوع من حالة المد والجزر لأنه لم يقم على تبدل (الرؤية)وفيما يخص هذه الورقة (فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة). ومن الموقف من (الدور التدخلي للدين) في المجتمع. وهنا يتم طرح سؤال مباشر وهو هل يمكن ان يطور المشروع الاصلاحي ب (رضا) او على الرغم من المؤسسة الدينية، وبالتالي فصل الدين عن الدولة. بالنسبة للبحرين فقد كان هناك سابقة حول فرض قانون الاحوال الشخصية على الجانب الديني السني ورفض الجانب الشيعي ذلك، وكذلك كانت هناك خطوة اخري (للإصلاح الديني من قبل الدولة) بتشكيل وتعيين وادخال عناصر مدنية في للإصلاح المجلس التشريعي الديني. انا فيما يخص الاسلام السياسي والذي تحول قسم منه العمل العلني الي السري بعد حل الجمعيات الاصولية الشيعية الوفاق حق احرار البحرين والعمل الاسلامي الخ، فهي الي الان لم تقدم اي مراجعة نقدية بل كما ذكرنا ربطت نفسها بمحور ما يسمي المقاومة والممانعة، اما اليسار الرائج والقومي يطالب بعودة هذه الجمعيات التي تم حلها كما هي وكما كانت؟ لهذا يمكن ان نستنتج بأن التطور القادم في المشروع الاصلاحي وكذلك في دول الخليج العربي قد يحصل، بحصول او عدم حصول (الاصلاحي الديني) او ما يتوهم اليسار الرائج في البحرين بإمكانية اصلاح جمعيات الاسلام السياسي الاصولية بشقيها. وانه كما يطرح هذا اليسار يجب التفريق ما بين الاصولي والجهادي وانه يجب عدم النظر اليهم ككتلة صماء (كلام فارغ من محتواه)، ونعود هنا مرة ثانية لقراءة التجربة الأوربية في الاصلاحي الديني هنا : فأولاً يجب وضع (الثورة البروتستانية) تاريخياً محل تساؤل، لأنها ليست هي الممهد لحصول الثورة الصناعية، وان كانت قد ازاحت قليلاُ من الدور (التدخلي للدين)، في بعض البلدان التي اصبحت رأسمالية، وهي انجلترا، رغم انها لم تفتح الطريق للتطور الرأسمالي في بلدها الام ؛ المانيا، التي اصبحت رأسمالية متأخرة، فقد سبقتها فرنسا التي كانت (كاثوليكية)، وحيث تحققت فيها الثورة على (الدور التدخلي للدين) في المجتمع. بمعني (ان التطور) قد تحقق ب (رضا) او على الرغم من المؤسسة الدينية. وفي كل الاحوال فرض فصل الدين عن الدولة. لهذا كما تم ذكره سابقاً: ان (التطور) قد حصل بحصول او بدون حصول (الاصلاح الديني). وكان التطور ذاته بانتصار الرأسمالية، هو الذي فرض ويفرض الدور الجديد للدين كونه (شأناً شخصياً) ولم يعد مقبولاً ان يميل الي التدخل في قضايا المجتمع، وخصوصاً في الدولة والسياسة والفارق هنا هو ان (الانسحاب الجزئي) للدين من (الشأن العام) في البلدان البروتستانتية (انجلترا المانيا وامريكا) أسهم في ان يتحقق للتعايش على الاسس الجديدة بهدوء وتساهل، ودون حدة في الموقف من دور الدين المجتمعي. اما في فرنسا حيث الكاثوليكية كانت تميل الي التدخل الفظ في الشأن السياسي وكانت الداعم الاساس لملاك الارض الاقطاعيين وللحكم الملكي، فقد كان الصراع حاداً بين (قوي التنوير) والكنيسة، ثم بين الجمهورية والكنيسة، الي ان فرضت العلمانية سنة 1904. وهنا كانت حدة الصراع تفرض ان تكون (العلمانية) (حاسمة) او (حادة)، وان يجري (التدخل المعكوس) في حدود دور الكنيسة.
في إطار المشروع الاصلاحي والذي هيمنت فيه الايديولوجية الاصولية على (ايديولوجيا)التنوير بشكل طاغي لغاية بداية التطبيق الفعلي للأيديولوجية الدينية الاصولية في كارثة 2011 وانتهاء بانهيار هذا الانقلاب في ظل الهامش المتاح للديمقراطية والانفراج السياسي، وبالتالي ما هو الخيار الذي سوف يتبلور بعد تداعيات كارثة الدوار؟ هل ستكون العودة الي تحقيق الاصلاح الديني او القطع مع تحقيق الاصلاح الديني. ونعود هنا مرة ثانية الي المقاربة في إطار تجربة الاصلاح الديني في اوروبا، كان هناك خيارين: الاول عبر الاصلاح الديني (البروستاتنية) مرن والثاني عبر (الكاثولوكية) المتشدد. وهو ما يعني ان التطور لم يكن تسلسلياً، بحيث يجري البدء في (تحقيق الاصلاح الديني)، ومن ثم ينشأ (عصر التنوير)، بالتالي لكي يقود الي انتصار الرأسمالية. اذن هذه تخطيطية ساذجة لم تكون هي مسار الواقع. ربما كان فتح (بالنسبة للتنوير) تراجع الدور التدخلي للكنيسة البروتستانتية بانتشار العلوم (وليس الفكر الذي انتشر في البلدان كما في فرنسا التي شهدت الصراع الحاد مع الكنيسة الكاثوليكية). وبالتالي الوصول الي تملك المكتشفات العلمية، التي كانت في اساس الثورة الصناعية وانتصار الرأسمالية. المعني من كل ذلك هو ان ليس (التطور الطبيعي)، (العفوي)، وفق التسلسل (يحصل عبر حصول او عدم حصول الاصلاح الديني)، هو الذي اوصل الي انتصار الحداثة، بل ان الصراع بين (العقل) و (النقل) هو الذي أفضى الي نشوء (فكر الحداثة) وهيمنته، بداية قبل الثورة الصناعية، لكنه تعزز بهذه الثورة الصناعية، وكانت النتيجة انتصار الرأسمالية. ايضاً في سياق متعرج. كان يتداخل مع (الفكر الديني) و (مع الكنيسة)، على الضد من فكر الحداثة، ومن اجل تكريس سلطة استبدادية الي ان فرضت النضالات انتصار فكر الحداثة، وتحوله (في مفاصله الاساسية) الي ايديولوجية للرأسمالية في تكوينها الداخلي. اي انتصار العقلنة والعلمنة والدمقرطة خصوصاً. وهنا سوف يتم التفصيل: يتم لمس مثلاً بأن (عصر التنوير) او (الانوار) هو في مجمله (فرنسي)، اي حيث لم يحدث الاصلاح الديني هناك، وتأسس عصر الانوار، وهو في صراع مع اللاهوت الديني، الذي كان لازال (اصولياً)، وهنا الكنيسة الكاثوليكية. ولقد كان فكر الانوار هو المؤسس للعلمنة والدمقرطة، اي لمبادئ سيادة الشعب والمواطنة وفصل الدين عن الدولة. و (عنفه) هو الذي اوصل الي الشكل من نظم الحكم التي سادت اوروبا وكل البلدان الرأسمالية، واصبحت (حلم) العالم، فليست انجلترا، ولا حتى امريكا، هي (التصور النظري) الذي يراود الحلم بل فرنسا وفكر الانوار، حيث رفع شعار (حرية اخاء، مساواة). وبالتالي فإن ربط الازمة التي يعيشها الفكر وخصوصاً لدينا لليسار الرائج في البحرين (اصلاح جمعيات الاسلام السياسي) وعبر الاصلاح الديني او بعدم تحقق هذا الاصلاح الديني لا يعبر عن صحة، وليس هو جذرها. حيث ان هيمنة فكر الحداثة كان ممكناً بدون الاصلاح الديني كما (اشرت له التجربة الاوربية). او ليكون الكلام الادق ان هذه التجربة ابانت عن امكانيات لانتصار الحداثة دون اصلاح ديني، وعلى الرغم من رفض المؤسسة الدينية، ووقوفها مع الطبقات المسيطرة ضد كل الفكر الحداثي (فرنسا، المانيا) هنا. هذا اضافة الي ان الدارس للفكر العربي يلاحظ بأن افكار الحداثة (الليبرالية، والقومية، والاشتراكية، والماركسية) تسربت منذ نهاية القرن التاسع عشر، (كما تسربت لدينا في البحرين في الخمسينيات والستينيات)، وأنها في إطار صراعها (في اوربا) ضد الايديولوجية التقليدية الاصولية، قد كسبت الهيمنة على الاقل منذ الحرب العالمية الاولي. وبالتالي فرضت تبلور احزاب ليبرالية وقومية وشيوعية منذئذ، التي باتت هي اللاعب الاساس في المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية قبل ان تعود الايديولوجية الاصولية الدينية للهيمنة منذ سبعينيات القرن العشرين (مثلاً في دولة الملالي في ايران، وافغانستان)، واذا كانت هذه الهيمنة المستجدة هي التي فرضت العودة الي ان يتم طرح مسألة الاصلاح الديني، فإن مجرد تحقق الفكر الحداثي في وقت ما وهيمنة الايديولوجية الاصولية بعدها يؤشر الي ان المشكلة ليست في عدم تحقق الاصلاح الديني هذا بل لأنها في مساحة اخري، لا بد ان بحيث اليسار العلماني الديمقراطي عنها ،فكما فرض الفكر الحداثي (الليبرالي والقومي والاشتراكي والماركسي) هيمنته من خلال الصراع مع الايديولوجية التقليدية التي كانت تؤسس على الدين، فإن المسألة الراهنة عند كل اليسار في البحرين ان لا يلقي هذا الفكر الحداثي لحل الازمة على (البنية الدينية) (اي الفكر والمؤسسة)، بل ان يعيد حيويته، وفاعليته. ونقصد هنا اليسار القومي واليسار الديمقراطي العلماني (مفكري الحداثة) هذا ان وجدوا؟؟، الذين يهربون الي الامل في حصول (اصلاح الاسلام السياسي او اصلاح ديني) لكي يجدوا لهم مجالاً للفعل والحراك السياسي كون جمعيات المعارضة الكبيرة للنظام موجودة في جمعيات الاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني؟!، هذا بدل ان يلملم هذا اليسار القومي والماركسي نفسه ويؤسسوا طريق الحداثة، ومنها كشف المضامين والخطر الذي تشكله جمعيات الاسلام السياسي في البحرين باستغلالها للدين والفكر الديني وشحنه بالبعد الطائفي السني او الشيعي مما يهيئ ارضية الفتنة الطائفية والشرخ الطائفي على حساب الوحدة الوطنية والمواطنة. لكن تبقي (المساحة) التي يجب ان يبحث عنها اليسار العلماني الديمقراطي، هي التي تفتح الطريق امام هذا اليسار لأن يكون بإمكانهم تحقيق هيمنة فكر الحداثة، هذه المساحة هي التي يجب ان يجري البحث عنها.
بعد نقاش التجربة الدينية والاصلاح الديني، في اوروبا سوف يتم النظر الان الي تجربة مهمة اخري وهي الاصلاح الديني في عصر النهضة في العالم العربي. حينما نتناول مسألة الاصلاح الديني او مسألة اصلاح الجمعيات السياسية الدينية الاصولية راهناً لا بد من النظر الي عصر (النهضة)، ذلك ان هذه المسألة كانت في صلب اهتمام ومشاغل المفكرين انبذ، ويمكن القول بأن (التحديث) قد بدء هنا، حيث ان السيطرة المطلقة للأيديولوجية التقليدية التي تقوم على الدين، والتي كانت تتسم ب (العامية) (اي لم تكن ترقي الي مستوي الفكر)، وكون كل (الفكر) كان منحصراً فيها على اساس انها كل العلوم (علوم الدين وفق الغزالي)، جعلها منطلق (الصراع الفكري)، وبداية تبلور فكر الحداثة مع البعثات التي ارسلها محمد على باشا الي فرنسا (بلد الانوار) وهو يسعي الي تحقيق التحديث المجتمعي. واول (تطور) تحقق هو كسر احتكار العلم من قبل المنظومة الدينية، التي كانت تحصره في النص الديني واللغة العربية والحساب (من اجل التجارة التي أصبح يعبر عنها). ولهذا انفتح باب تدريس مختلف العلوم، وهو ما جعل انشاء مدراس حديثة امراً واقعاً فهيئ لانتشار مجمل الفكر الحديث. ان كسر احتكار العلم من قبل المنظومة الدينية كان ضرورة من اجل تحقيق (التطور)، ولكنه كان ينعكس على الايديولوجية الدينية ذاتها من حيث تفكيك بنيتها، واخراجها من طابعها (العامي) الذي قام على اساس (العلوم) التي حددها الامام الغزالي، والعودة الي (ادخال العقل) اليها. لهذا نجد ان رفاعة الطهطاوي (الذي هو رجل دين) والذي كان اول من كسر احتكار العلم (بعد ان عمل محمد على باشا على كسب العلم الحديث من بلد (الانوار) او (التنوير) من فرنسا)، بالعمل على فتح المدارس المختصة بكل العلوم الحديثة. لكنه ايضاً قام بتحقيق قطيعة مع الايديولوجية التقليدية عبر تمثل فكر الحداثة: العقلانية والحرية والديمقراطية والعلمانية، وايضاً كل ما اورده مونتسكيو، تأسيساً لمجتمع حديث يقوم على اساس صناعي. ورغم ان الطهطاوي كان منظر تجربة محمد على باشا، او المعبر عن مضمونها الفكري، فقد اسس لهذه القطيعة مع الوعي الموروث والذي كان يتخذ شكلاً ايديولوجيا اصولياً وما يسمي (العامي)، اي لا يقوم على العقل بل يقوم على التلقين والنقل الذي يتناول بعض الأولويات الدينية وفيما يتعلق باللغة العربية والحساب. وربما كان انهيار تجربة محمد على باشا بعد الحرب التي خاضتها الرأسمالية الاوروبية، وبفعلها، هي التي اوجدت تناقضات نهاية القرن التاسع عشر. لهذا نشأ تيارين فيما اسمي (عصر النهضة) في إطار المؤسسة الدينية، الاول هو ما يمكن ان يعتبر بأنه (ردة فعل) الايديولوجية التقليدية على القطيعة التي تحققت مع الطهطاوي، حيث اعادة تلك الايديولوجية انتاج ذاتها في اهاب (عقلاني)، لكنها عقلانية المنظومة الدينية ذاتها، اي باستعادة عقلانية اسلامية سالفة (المعتزلة، وربما ابن رشد)، وهذا ما مثله جمال الدين الافغاني ومحمد عبده. وممتداً الي رشيد رضا في سنواته الاولي. وهو التيار الذي اعاد انتاج الايديولوجية (العامية) عقلياً، وبالتالي كان محور نشاطه هو اعادة انتاج الامبراطورية العربية الاسلامية (الجامعة الاسلامية كما كان يسميها محمد عبده). وبالتالي كان في تناقض مع فكر الحداثة وان كان قد قبل بالإفادة من علومه الطبيعية. وهنا باتت هذه العلوم تدمج في المنظومة الدينية (وما أقرب الامس باليوم حيث يتكرر هذا المشد نفسه اعادة انتاج الايديولوجية الاصولية ذاتها في اهاب عقلاني (حداثة التخلف او فقه التخلف) واعادة دمج العلوم الحديثة في المنظومة الدينية مع الاسلام السياسي ولكن في عصر الثورة العلمية التكنولوجية)؟؟،
كما ذكرنا في الحلقة السابقة انه في عصر النهضة العربي نشأ تيارين في إطار المؤسسة الدينية الاول هو ردة فعل الايديولوجية التقليدية – الدينية على القطيعة التي تحققت مع الطهطاوي. اما التيار الثاني والذي ستتم مناقشة الان: ففي المقابل نشأ التيار الذي يكمل قطيعة الطهطاوي، مكرساً هذه القطيعة، وداعياً الي تبني (المدنية الحديثة) فيما يتعلق بنمط الحياة وتكوين المجتمع. لقد قدم ايديولوجية حداثية تقوم على فصل الدين عن الدولة وتنطلق من مبدأ المواطنة وسيادة الشعب، والتكوين القومي، دون الديني. وبالتالي فقد كان يسهم في تأسيس الايديولوجية التي كانت تتشكل في المشرق العربي كتعبير عن ميل البورجوازية لتحقيق الاستقلال والتطور الصناعي وكان يندمج مع التيار القومي الذي كان يتشكل انبذ. وإذا كان عبد الرحمان الكواكبي هو الابرز هنا، فقد نشأ جيل من (رجال الدين) المنضوين في إطار الحركة القومية الحديثة (عبدالغني العريس كمثال)، والذين يعملون الفصل بين الدين (كمعتقد شخصي) والنشاط السياسي العام الذي يستلزم فكر الحداثة. انطلاقاً من انه الشكل الارقي في مسار التطور البشري، الذي كان للإسلام دور في الوصول اليه. وربما كانت سياقات تطور الفكر العربي تؤشر لموقع هاذين (التيارين) في نشوء مختلف الاتجاهات السياسية التالية. وهنا يتم الاشارة الي ان (الاختلاف) بين الكواكبي ومحمد عبده هو المفصل في ذلك، حيث كانت (العلمنة) اس هام من اسس (الاختلاف) ذاك، اسست (لاختلاف) كبير في تحديد طبيعة (المشروع) الذي يطرحه كل منهما (المشروع القومي / والمشروع الجامعة الاسلامية)، وبالتالي في (التعبير الطبقي). حيث كانت (العلمنة)هي مفصل الصراع طيلة الربع الاول من القرن العشرين. حسمت مع كتاب على عبد الرازق (الاسلام واصول الحكم). فأصبح الصراع بعدئذ هو (صراع طبقي سياسي) بعد ان تشكلت جماعة الاخوان المسلمين كامتداد لتيار محمد عبده عبر رشيد رضا الذي كان الاب الروحي لهذه الجماعة. وتوضح التموضع في إطار الوضع العالمي وسيادة الاستعمار، حيث ظهر بأن مواجهة الاستعمار نشأت في حضن القوي التي تبنت فكر الحداثة. وهنا يطرح سؤال الا يتم اعتبار كل ذلك هو (اصلاح ديني) كما حدث في الغرب؟ هنا ستكون الاشكالية في تحديد معني الاصلاح الديني، حيث يعتبر انه يفضي الي ان (يحيد الدين) في المستوي السياسي عفوياً، ولا يعود هناك قوي تتكئ عليه في (الصراع الطبقي)، او ان تتحول المؤسسة الدينية الي حزب ليبرالي (وهنا يميل التخيل الي ظهور الاحزاب الديمقراطية المسيحية في الغرب). كما يناقش الاسلام السياسي في البحرين واليسار الرائج ذلك كحجة على من يريد عزل حميات الاسلام السياسي بشقيه عن الحياة والعمل السياسي؟ المسألة هنا ليست كذلك، ولم تكن كذلك حتى في اوروبا، ولن يكون ممكناً ان تتحقق في هذا الشكل الذي يراه هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين. وبالتالي فإن ما تحقق في (عصر النهضة) هو الشكل الذي فتح الافق لتغلغل فكر الحداثة، وتوسع وجوده، وهيمنة بعض الاتجاهات فيه بعدئذ. لكن لماذا كانت تعود وعودة (وكما هو الحال اليوم) هيمنة الايديولوجية التقليدية والدينية الاصولية والجهادية؟ هذا يفرض البحث في مشكلات فكر الحداثة ذاته ومفكري الحداثة ذاته، فقد وجد وامتلك حيزاً مهماً لكنه لم يحقق الانتصار الاخير لماذا؟ هذا ما يجب ان يسترعي البحث فيه.
لقد برز مفهوم العلمانية: المتعلق بالعقلنة والعلمنة والدمقرطة، منذ ان طرح المشروع الاصلاحي في البحرين في شكل الانفراج السياسي والهامش الديمقراطي. وخصوصاً في ظل التفكير لإدخال الاسلام السياسي في هذه التجربة الاصلاحية وكذلك لإدخال اليسار في البحرين كذلك في هذه التجربة هذا من الجانب الموضوعي وكان المأمول هو ان تحل كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية في ظل هذا الهامش من الديمقراطية. ولكن كل القوي سواء في بيت الحكم او قوي الاسلام السياسي او قوي اليسار في البحرين سكتت على موضع ارتباط الاصلاحين (المشروع الاصلاحي مع المشروع الاصلاح الديني وهنا ايضاً الطائفي)، ومن القضية المهمة وهي فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة لكي لا يدخل المشروع الاصلاحي في نفق مسدود ويتم اعادة الترتيبات الطائفية والقبلية في المجتمع وهنا من خلال تفكيك المجتمع عبر تعزيز المكونات الطائفية (الشيعية / السنية)، ولكن هذه المرة في ايهاب سياسي، اشهار جمعيات دينية اصولية اسلامية سياسية شيعية / سنية. وتعمل تحت مظلة ميثاق العمل الوطني (وليس الطائفي) وفي ظل مملكة دستورية وبرلمان منتخب وقضاء. مما مهد الارضية لكي يعمل هذا الاسلام السياسي عبر مفاهيم مثل (المواطنة) والحريات السياسة والمدنية جعلها غطاء له لكي يتحول من (الجانب الدعوي الديني الطائفي الي الجانب الحركي الديني الطائفي)، وتماهي اليسار الرائج في البحرين مع هذا الحراك وهذا التحول الاسلام السياسي في المشروع الاصلاحي. والان في هذه الايام في ظل الانفراج السياسي والافراج عن المسجونين ومحاولة تمهيد الارضية لحالة هادئة قادمة وايجابية تحمل ملامح الانفراج الواسع خاصة وان الانتخابات على الابواب، وهي تساهم في توسيع مناخ الانفراج واعادة النظر في ملفات كثيرة اولجت البحرين في نفق مظلم. وبالتالي نطرح هنا عدة اسئلة لها علاقة بهذه الورقة كيف فهم الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين – العلمانية. وهي: هل الاصلاح الديني ممكن؟ بمعني هل من الممكن فصل الدين عن السياسية وفصل الدين عن الدولة ممكن؟؟ وماذا يقصد بالإصلاح الديني الذي يطرح كطريق للخلاص؟ وهل المقصود هو فتح الافق في البحرين لتحقيق العلمنة وهيمنة فكر الحداثة؟ وهل يوجد الحامل الموضوعي (القوي السياسية) التي تحمل مشروع العلمنة اي فكر الحداثة؟ وما هو المثال الذي سينطلق منه هذا الاصلاح الديني هل هو المثال الاوربي او ومثال عصر النهضة العربي، ويكون هو الذي يسكن الوعي، والذي هو مقياس الدعوة الي الاصلاح الديني، هنا يجب أن نتلمس بنية الايديولوجية الدينية (الاصولية)، وهل تحتمل تحقيق هذه النقلة؟ وبالتالي يمكن أن تتحمل تحقيق الاصلاح الذاتي في جمعيات الاسلام السياسي؟ ان الهاجس الذي يحكم كل العلمانيين في البحرين الذين يطرحون مسألة الاصلاح الديني (فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة)، كطريق لتجاوز هيمنة الاصولية والجهادية القائمة منذ ان هيمنت في المشروع الاصلاحي في البحرين. هو فتح الطريق لهيمنة (الليبرالية) بمعناها (الاصلي)، اي ذاك المتعلق بالعقلنة والعلمنة والدمقرطة، لهذا يصبح السؤال في البحرين حول امكانية أن يتحقق هذا النوع من الاصلاح الديني؟ إذن، هل الاصلاح الديني ممكن؟ ان ما يواجه المدقق في بنية الايديولوجية الاسلامية هو انه يلمس مدي التماسك والدمج، وحتى التشابك، بين الدين والدنيا عند الاسلام السياسي (كما يرد فيها، وهو ما اشار اليه محمد عبده كذلك). وبالتالي سنلمس بأن (الاحكام الشرعية) مغلفة في إطار مقدس، وهي جزء من الدين ذاته. وسنجد بأن السياسة هي جزء من (الفقه) كما يراه خلدون النقيب في كتابه (اراء في فقه التخلف) وهي تخضع لأحكامه. وربما لا يكون ذلك مستغرباً لأن التأسيس بني على تدامج الدين كمعتقدات جاء متضمناً كل ما يتعلق بالمجتمع. من الاحكام الشخصية الي الدولة. وبالتالي فإن التزام النص الديني، يعني التزام كل ما يتعلق بالمجتمع كما ورد في هذا النص الديني. وهذا الامر هو الذي يجعل العودة الي (السلف الصالح) والي الموروث لكل طائفة تعني العودة الي ايديولوجية متكاملة، وبالتالي يمكنها تجاوز اشكال محددة من تفسيرها فقط. هذا ما فعله محمد عبده ورشيد رضا وهو الامر عند هذا الاسلام السياسي الذي يعني بأن المسألة لا تحتمل أن يتحقق (الفصم) بين ما هو احكام وما هو عقائد. لهذا نجد بأن كل الحركات (وكل الحراك السياسي الاسلام السياسي)، وكل المفكرين الذين عملوا على اعادة تأسيس الايديولوجية الدينية، كرروا البنية الايديولوجية ذاتها، في اشكال اقل او أكثر تماسكاً، وعقلية. وبهذا فإن كل تأسيس فكري او سياسي للدين سوف يعيد انتاج هذه البنية المتكاملة دون مقدرة على(الفصم)، ومن ثم فتح الافق لتقبل فكر الحداثة كفكر يعالج مشكلات، ويطرح حلول الواقع، بما هو واقع اقتصادي ومجتمعي وسياسي. حيث هنا سوف يكون النص الديني حاضراً، وتكون الفتوي هي المدخل لرسم السياسية والفارق ربما يكون في التزام فتوي سابقة او (الاجتهاد) من اجل استصدار فتوي جديدة وبالتالي تبقي (الاحكام الشرعية) متكئة على النص، ولكن ربما ستكون متكيفة مع اوضاع جديدة. وهنا لا يتحقق الفصل بين النص الديني وامور الدنيا بل يتكرس. وهذا ما يجب ان يفهمه اليسار الرائج والنظام الحاكم في البحرين في هذه اللحظة الراهنة.
في اللحظة الراهنة والتي من الممكن ان تشهد انفراجه ومناخ سياسي جديد سوف تبرز مسألة الاصلاح الديني وتطفو على السطح، وهو ما يعني انه في هذا الوضع سوف يبرز السؤال: ماذا يعني الاصلاح الديني غير تكريس الفصل بين الدين والسياسة، وبالتالي القفز عما هو مجتمعي في النص الديني؟ وهنا يجب ان تتم الاشارة ان هذه الخطوة لا تبدو انها سهلة لكنها تتطلب الا يتحول (الدين الي ايديولوجية) كما بني على ذلك في بداية المشروع الاصلاحي والذي ادخل البحرين في نفق مظلم، بل ان يدخل الدين الي الذات لكي يصبح (شأناً خاصاً) او شخصياً، وهو خيار فردي يقوم على تجاوز الدين (كأيديولوجية) اصولية وجهادية، وانه يجب الانتباه الي ان الدين (كأيديولوجية) سوف يكرر اعادة انتاج نفسه كلما وجدت الظروف لذلك (كما حدث عندنا في البحرين في ظرف طرح المشروع الاصلاحي) والذي يعني اشهار جمعيات طائفية دينية اصولية. لماذا نقول ذلك لأن في النص الديني ما يساعد على (او ما يفرض) هذه الاعادة. وكل ميل الي تطويع النص الديني ل (الحداثة) كما يري ويتصور اليسار الرائج في البحرين ل (الاسلام السياسي) عبر النص ذاته لن يلقي سوي التهميش، من قبل هذا الاسلام السياسي بشقيه، لأن في النص ما يناقضه. وربما كان هذا هو سبب مصير كل محاولات الاصلاح التي يراها اليسار الرائج في البحرين ل الاسلام السياسي. او لمحاولة ادماج هذا الاسلام السياسي في المجتمع مرة اخري من قبل النظام الحاكم. بمعني ان الطابع الايديولوجي عند هذا الاسلام السياسي بشقيه هو الذي يطغي على الدين، وبالتالي فليس من الممكن اصلاح الايديولوجية هذه من داخلها، لأنها تعبر عن (مصالح وسياسات لا تتكيف مع التحولات الحضارة او التي يراد لها في البحرين، اي (الحداثة) بالتحديد). فهي لا تنظر الي الاخر الا من منظور ديني، او طائفي، ولا تنظر الي الفرد (المواطن) الا كجزء من (ملة / طائفة)، ولا تري في الصراعات إلا من كونها صراعات دينية / طائفية. انها في تفارق معرفي مع (فكر الحداثة) الذي تأسس على القطيعة مع الايديولوجية الدينية الاصولية او الطائفية التي كانت تهيمن في العالم العربي وتاريخياً في اوروبا لذلك كان هناك صراع عنيف مع شكلها الاكثر اصولية، اي الكاثولوكية التي خضعت للتكيف مع الحداثة بعد انتصار الحداثة. وهذه الايديولوجية الاصولية / الجهادية التي لم تهزم الي الان في العالم العربي. ربما هذا هو الطابع العام للتطور، حيث ان الايديولوجية التي هيمنت في مرحلة من التاريخ لا (تتنازل) عن هذا الموقع بإرادتها، ولا تتراجع من وعي البشر هكذا دون جهد (كفاحي) تقوم به قوي الحداثة، وكل الاصلاح الديني يتم بعد ان تحقق قوي الحداثة هيمنتها ومن ثم تشرع في اعادة بناء الوعي المجتمعي. وهذا ليس في حساب اليسار الرائج في البحرين ان فتح الافق والتطور مرة ثانية في المشروع الاصلاحي. يأتي عبر تحقيق الانفصال بين الدين والدنيا، ويخضع المنطق الدنيوي لفكر جديد يقوم على القطيعة مع فكر القرون الوسطي (او فكر العصر الزراعي)، وان يعود الدين لأن يكون (خاصاً). اي ان الايديولوجية التي تقوم على الدين تتلاشي ليتوضح الطابع الشخصي للدين وهو هنا يحمل معني قيمياً معيناً بالتأكيد. وان يفهم هذا اليسار الرائج في البحرين ان الربط بين الدين والدنيا يجعل كل محاولة لإعادة انتاج الايديولوجية (التقليدية) سوف تنتجها كأيديولوجية دينية اصولية مرجعيتها الشريعة، مهما جرت محاولة (تلطيف المرجعية)، او تخفيف بعض الاحكام. وهي في الاخير تؤسس (دولة دينية)، وتميز بين المواطنين على اساس الدين والطائفة. وتعتبر بأن التشريع مطلق، يمكن تفسيره بشكل مخفف لكنها لا يمكن ان تتجاوزه. ونعود هنا للمقاربة والمقارنة ،مرة ثانية لتجربة النهضة العربية ذلك ان كل ما فعله رفاعة الطهطاوي، ثم عبدالرحمان الكواكبي هو، ليس اعادة انتاج الايديولوجية كما فعل الافغاني ومحد عبده، بل تحقق الفصل بين الدين والدنيا عبر الدعوة الي تأسيس ايديولوجية حداثية مستمدة من التطور الذي تحقق في اوروبا منذ عصر الانوار، تنطلق من الفصل بين الدين والدولة وتحول الدين الي شأن شخصي، و (حالة روحية)، اما الاصلاح فقد كان هدف محمد عبده ورشيد رضا اللذين عملا على اعادة انتاج الايديولوجية الدينية (عقلانياً)، ربما يتكيف مع التطور الواقعي الذي كان قد تحقق عبر تسلل بعض مظاهر الرأسمالية (الشركات والبنوك في مصر)، من خلال تضمنها في البنية الايديولوجية ذاتها. وهذه هي قيمة فتاوي محمد عبده التي جري تفسيرها على انها تمثل ميله لتحقيق الاصلاح الديني. لكن التطور الواقعي ذاته جعلها وهي تؤسس انطلاقاً من منطق الايديولوجية ذاته – تميل للتكيف مع استمرار البني التقليدية، وتدافع عن هذا الاستمرار في مواجهة الميل الحداثي الذي كان يخترق المجتمع. بمعني ان الاصلاح الديني هو لاحق (لانتصار الحداثة) وليس مدخلاً لها من جهة، وبالتالي من جهة اخري إن الحداثة تتحقق عبر القطيعة (المعرفية) مع فكر القرون الوسطي والانتقال الي منظومة الفكر الذي بدأ يتبلور مع عصر النهضة الاوربية والعربية، والذي انتصر مع سيادة الصناعة وانتصار الرأسمالية، الذي يجب ان يكون اساس كل وعي حديث وكل ميل للانتقال الي تكوين مجتمعي (عصري). وهنا يجب الالتفاف الي المستوي المعرفي قبل اي شيء اخر لأنه انتصار للحداثة. وهذا ما أهمله وفوته اليسار الرائج في البحرين. بل انه عمل السوء وهو ادخال الاسلام السياسي وايديولوجيته الاصولية الي جنة الديمقراطية، والبس الوفاق وبقية جمعيات الاسلام السياسي حلة حديثة بطرحها مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية بعد فشل طرحها الدولة الدينية الطائفية؟؟! وهو ما جعل من هذه الجمعيات سواء اليسار الرائج او الاسلام السياسي بشقيه عبارة عن (مسخ). اذن هنا يمكن القول بأن ما تحقق في عصر النهضة العربي هو الاساس الذي فتح الافق لهيمنة فكر الحداثة، رغم عدم تلاشي الايديولوجية التقليدية والاصولية لأن ذلك كان يحتاج الي خطوة اخري تتعلق بانتصار القوي الحديثة. لكن السؤال يبقي حول سبب فشله هو بالذات؟ اي لماذا فشل فكر النهضة في الوطن العربي؟ وكذلك نسأل نفس السؤال لماذا فشل الفكر اليسار الرائج في تجربة المشروع الاصلاحي في البحرين.
لقد انتهينا في الحقلة السابقة إلى سؤال مهم وهو حول سبب فشل مشروع النهضة العربي هو بالذات؟ كما يمكن ان نعيد هذا السؤال بالنسبة لليسار في البحرين لماذا فشل مشروعه بالذات في المشروع الاصلاحي، بينما انتصر مشروع الايديولوجية الدينية الاصولية وجمعياتها الاسلام السياسي؟ اي لماذا فشل (فكر) النهضة العربية ولماذا فشل (فكر) اليسار في البحرين بينما هيمن فكر الايديولوجية الاصولية والجهادية في البحرين. وهذا ينقلنا الي العقلنة والعلمنة والدمقرطة. لماذا لم تتبلور في مشروع النهضة العربي او في مشروع اليسار في البحرين؟ اي لماذا لم تؤسس (الليبرالية) في الوطن العربي جذوراً؟ لماذا تهمشت، وكلما حاولت ان تنهض كان مصيرها الفشل والتهميش؟ لقد تغلغل كما ذكرنا سابقاً الفكر الليبرالي والاشتراكي والقومي في الوطن العربي وخصوصاً ما يخص بفكر النهضة العربية، وكذلك فيما يخص اليسار في البحرين، وخاض صراعاً مريراً ضد الايديولوجية التقليدية والاصولية التي كانت تهيمن انبذ، ولقد انتصر في هذا الصراع، وتبلور في مشاريع سياسية واضحة تدعوا الي العقل والحداثة، الي الديمقراطية والعلمنة، كما تدعوا الي التصنيع وتحديث الاقتصاد، وكذلك تدعو الي الوحدة القومية والاستقلال. وتاريخياً إذا كانت البعثات التعليمة التي ارسلها محمد على باشا هي المفتح لبدء تغلغل الفكر الاوروبي المتبلور مع الثورة الصناعية، فقد شهد الوطن العربي توسعاً في التواصل مع الفكر الاوربي بمختلف تياراته، تدعم بانتشار التعليم الحديث رويداً رويداً، ولهذا كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هي (اللحظة) التي خيضت فيها المعركة من اجل الاصلاح الديني وتأكيد (العلمنة) وفصل الدين عن السياسية والدين عن الدولة، وبالتالي توسع انتشار التيارات الليبرالية والقومية والاشتراكية. ولم يكن الامر يتعلق بما هو (ثقافي) فقط، بل كان الثقافي هو المدخل لتبلور (مشروعات سياسية) تهدف الي تحقيق جملة من الاهداف التي اعتبرت هي اهداف الحداثة الليبرالية الديمقراطية. ولقد كان واضحاً بأن (الفكر) الحديث ينتصر ويصبح هو المعبر عن طموحات قطاع كبير من المثقفين والساسة. وان الايديولوجية التقليدية والاصولية انزوت في موقع الدفاع، تحاول احياناً ان تنتقل الي الهجوم لكنها تتراجع. وهذا عكس ما قام به اليسار الرائج في البحرين في ظل المشروع الاصلاحي فقد اتجه كما قلنا سابقاً الي (لحظة) او حرب (الحركة) وليس حرب (المواقع) والذي جره اليها الاسلام السياسي بشقيه وهيمن هذا الاسلام السياسي على حرب (المواقع) الاتحادات العمالية والنقابات العمالية والمهنية الآخرى والاتحادات النسائية والشبابية والطلابية الخ من مؤسسات المجتمع المدني. اي ان هذا اليسار الرائج فصل بين الرؤية وهنا (الثقافي) الذي هو المدخل لتبلور مشروعات سياسية تهدف الي تحقيق التطور في المشروع الاصلاحي في البحرين ومنها اهداف الحداثة العقلانية والعلمنة والديمقراطية.
نكمل هنا لماذا فشل مشروع النهضة العربية؟ ولماذا فشل مشروع اليسار في البحرين في ظل المشروع الاصلاحي؟ ان مرحلة ما بات يسمي (عصر النهضة العربية)، وهو العصر الذي حفل بتغلغل مجمل الفكر الحديث، والسعي لتحقيق الحداثة (كمشروع) اقتصادي اجتماعي وسياسي، وايضاً كمشروع (فكري) ثقافي. لكن هذا المشروع فشل، حيث مالت الفئات التي حملته الي لفظه والتكيف مع البني التقليدية مغطاة بقشرة حداثية، كما هو حال اليسار الرائج في البحرين فضل الريف يعيش القرون الوسطي على صعيد الوعي والعلاقات، ويغرق في الفقر والتخلف، وظلت النظم (ملكية) او ليبرالية شكلاً دون ان تحل مشكلات الريف وكذلك المدينة. لقد ابقت النظم المتشكلة بعيد الاستقلال على البني ذاتها دون ميل جدي لتحقيق التحديث حتى تلك التي كانت الفئات الاجتماعية التي حكمتها تحمل ذاك المشروع النهضوي، ولقد كان تسلمها السلطة فيها هو نتاج التوافق مع الاستعمار الزائل على الحفاظ على هذ البني خصوصاً وإنها اصبحت جزءاً من مصالح تبلور لهذه الفئات. هذا الوضع هو الذي دفع فئات ريفية او قروية الي السيطرة على السلطة وتكسير العلاقات القديمة والتبعية، ومحاولة البناء، الذي صب في النهاية في جيوب فئات منهم. ولهذا كان الاستبداد ضرورة من اجل النهب. لكن يجب ان يكون واضحاً بأن سيطرة هذه الفئات لم تأت بفعل قدري، ولا كان نتيجة (مؤامرة) بل جاء في سياق الواقع المأزومة نتيجة استمرار تلك البني التقليدية المتكيفة مع السيطرة الرأسمالية وما تنتجه من اوضاع اجتماعية مزرية، وما تؤسسه من ميول لتدمير تلك البني. ولهذا لا بد من ان نفسر سبب فشل الليبرالية لأنه الاساس الذي أفضى الي كل ذلك الوضع التالي، ولم تكن المشكلة في هذا التالي، اي النظم الاستبدادية (كما يدعي اليسار الرائج بأن الصراع هو بين (الاستبداد / الديمقراطية)، وهنا لن تكن المشكلة فيما يراه ويدعيه اليسار الرائج في البحرين في هذا التالي اي النظم الاستبدادية. وبالتالي لم تقطع هذه النظم الطريق على التطور الليبرالي بل ان الوضع الليبرالي في المشروع الاصلاحي هو الذي فرضها. والسؤال هنا في عصر النهضة وكذلك في ظل المشروع الاصلاحي في البحرين: لماذا لم تتحول افكار الحداثة والليبرالية الي تكوين واقعي في عصر النهضة او في المشروع الاصلاحي في البحرين؟ لماذا فشلت افكار النهضة هناك وافكار الحداثة لدي اليسار الرائج في البحرين هنا؟ لقد فسر السبب في عصر النهضة وهنا في المشروع الاصلاحي في البحرين، بإحالة المسألة لما حدث تالياً، اي ان النظم الشمولية كما يري من يفسر هذه المسألة قد قطعت الطريق على التطور الليبرالي. لكن دون الاجابة على السؤال؛ لماذا استطاعت تلك النظم ذلك؟ هل بقدرة خارقة ام نتيجة الظروف الواقعية التي اوجدتها النظم (الليبرالية) اي الظروف التي اوجدها المشروع الاصلاحي؟ والان لماذا تفشل الليبرالية ومشروع اليسار الرائج في البحرين اذن؟ هنا نأتي الي ازمة الليبرالية وازمة اليسار الرائج في البحرين هو نتاج وضع اخر، حيث ان المشروع الليبرالي هو مشروع البورجوازية، والفئات المثقفة التي تتبناه، وإذا كنا لا نريد ان نتكلم عن بورجوازية في (الحلم) كما ناقشنا ذلك في ورقة (هل من عودة لليسار في البحرين المنشورة على موقع التغيير الديمقراطي) كاث إحدى الخيارات المطروحة امام اليسار في البحرين. فيجب ان ندرس سياق البورجوازية الواقعية، التي حاولت احياناً نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (ربما الي اواسطه) ان تحقق مشروعها، لكنها كانت تفشل دوماً نتيجة السيطرة الاستعمارية التي وضعت (القوانين) والترتيبات التطور المحلي عبر القوة، ولكن ايضاً لأن (السوق المفتوح) كما ترغب الرأسمالية الاوروبية المسيطرة كان يجعل التنافس مستحيلاً، لهذا كان الرأسمال المحلي، الذي كان نتيجة التراكم الزراعي ومن صناعة الغوص او التجاري المديد ينزع الي التكيف مع منطق القوة هذا، فينشط في القطاع التجاري وكذلك الخدمي منه، والذي هو قطاع لم يكن يعاني المنافسة، على العكس كان مطلوباً من اجل تصدير المواد الاولية واستيراد السلع الرأسمالية. هنا أصبح هذا الرأسمال منجدل مع الرأسمال العالمي، ويلعب دور (الوسيط) بينه وبين السوق المحلي.
نكمل حوارنا حول لماذا فشل مشروع النهضة العربية وكذلك فشل مشروع اليسار الرائج في البحرين في ظل المشروع الاصلاحي. في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تم مناقشته، هذا الوضع جعل من البورجوازية المحلية تتكيف مع البني التقليدية، وخصوصاً وأنها كانت سليلة نمط انتاجي متخلف سواء كان اقطاعي او (شبه راسمالي) او متشابك معه. وكذلك فعل اليسار الرائج في البحرين في تكيفه مع البني التقليدية والايديولوجية الاصولية والطائفية، وبالتالي فهي ليست في حاجة الي الحداثة والليبرالية والديمقراطية والعلم والتحرر والوحدة والاستقلال …. الخ. هذا الفكر الذي بقي متبلور حول عدد من المثقفين والسياسيين، ولكن الذي بات يبدو طوباوياً نتيجة انه يطرح في مشروع النهضة العربية، يطرح مشروعاُ ليبرالياً في مجتمعات باتت تحتاج الي غلق سوقها الداخلي امام التوسع الرأسمالي العالمي لكي تستطيع الحفاظ على تراكم الفائض محلياً، وبالتالي توظيفه في البناء الاقتصادي والتي كانت على تناقض عميق مع السيطرة الرأسمالية، وبالتالي ليس من الممكن ان تنجح فيها اليات الرأسمالية. وتعاني من افقار شديد لقطاعات واسعة من الطبقات الشعبية ليس من حل لها سوي عبر الدولة. بمعني ان المشروع (الليبرالي) أصبح لا يشكل حلماً لكل القطاعات المفقرة من المجتمع، اما البورجوازية فقد فرضت ليبراليتها عبر السوق الحرة واحتكار كبار ملاك الارض وكبار التجار ما يسمي بالوجهاء، وفي ترابط مع السوق العالمي، مما كان يفتح الباب امام نزوح الفائض خارجاً، ويعمق من افقار المجتمع، لكن دون ان تفرض الليبرالية الفكرية والسياسية والحداثة عموماً، بل عبر تكريس البني والوعي التقليديين كما تم توضيحه. هل يمكن ان تنشأ بورجوازية معنية بهذا المشروع الليبرالي الحداثي؟ حينما تنشأ بورجوازية معنية بتوظيف مالها المتراكم في الصناعة، وهذا ما لا يبدو ممكناً نتيجة الهيمنة الشاملة للاحتكارات العالمية. وبالتالي سوف تبقي الليبرالية العربية ليس أكثر من وهم فئات مثقفة، رغم ان الليبرالية الرائجة لا تفقه من الليبرالية الا بعض عناصرها الجزئية، وهي تعرفها في الغالب عبر (السلب) اي ضد الاستبداد ليس أكثر. وهذا ايضاً ما وقع فيه اليسار الرائج والقومي في البحرين عندما طرح البديل بالديمقراطية وادخل الاسلام السياسي في مشروعه اليساري ضد كما يدعي الاستبداد. ازمة الليبرالية العربية ويتبعها ازمة اليسار الرائج العربي اذن تكمن في غياب الحامل الاجتماعي، والبورجوازية الموجودة في الواقع تطبق ليبراليتها على هواها، التي لا تشمل سوي الاقتصاد الذي يزداد اندماجاً في الاقتصاد العالمي، ويزداد تبعية فيه وكذلك يري اليسار الرائج والقومي يطبق مشروعه السياسي في المشروع الاصلاحي، عبر الولع بالسياسة والهوس بها فاصلاً اياها عن الاقتصادي والفكري ليشكل حامل اجتماعي سمي بالتجمع السباعي السياسي مسخ مشوه هو خليط (كوكتيل) من فوضي الافكار والقوي السياسية الطبقية و الدينية الاصولية والطائفية
الأن نصل الي جوهر ازمة النهضة العربية والي جوهر ازمة اليسار الرائج في المشروع الاصلاحي. وهي الازمة في ظل غياب نقد العقل، (النقد الفلسفي)، لنري هنا كيف انه تم اهمال (النقد الفلسفي) في كل الجمعيات السياسية طبعاً بالنسبة للإسلام السياسي هذه شيءٍ طبيعي ولكن بالنسبة لليسار هذه ازمة فكرية، بالرغم من ان جمعية المنبر التقدمي قد بادرت بعمل لجنة سميت (لجنة اعداد الكادر) وهي منطلقة من فكرة (المدرسة الحزبية) ولكنها فشلت لأن الفلسفة ليس لها مكان هيبة السياسية الذي انجرفت فيها هذه الجمعية وهذا يسري على كل جمعيات اليسار الآخرى. وان بشكل أسوأ. وخصوصاً عندما ننطلق من التحالف مع الاسلام السياسي كان عبر مساومة وتسوية على كما يقال هوية اليسار وفكره وهو الجدل المادي والتاريخي. لحساب التبعية الاسلام السياسي. تاركاً هذا اليسار الرائج فصل الدين عن السياسية وفصل الدين عن الدولة الي مرحلة اخري على اساس انه من الممكن ان يكون هناك اصلاح ديني. وهنا نسأل إذا لم تكن الازمة مرتبطة بالإصلاح الديني، حيث تحقق الصراع في بنية المؤسسة الدينية، فما الذي يجعل الفكر اليساري عاجزاً؟ ولماذا يربط أزمته بتحقيق الاصلاح الديني؟ عندما أشرنا الي فشل مشروع النهضة والذي ارتبط في الجانب الاقتصادي والسياسي اي من هو الحامل لهذا المشروع، وهي البورجوازية العربية، نصل هنا الي انه ما لم يلمس في كل سنوات عصر النهضة وكل سنوات المشروع الاصلاحي في البحرين هو (العقل). بمعني ان الفكر تناول مختلف مستويات التطور الا المستوي (الفلسفي)، الذي ظل بعيداً عن النقد من جهة، ودون ان يجري تمثل (اوروبا) من الناحية الفكرية من جهة اخري. لهذا كانت الفلسفة دون اهتمام او باهتمام ضئيل جداً وفي الغالب فردي عند مفكري النهضة وعند اليسار الرائج في البحرين. ولسوف نلمس طبيعة المشكلة حينما نلاحظ بأن الايديولوجية التقليدية والايديولوجية الدينية الاصولية انبنت على التضاد مع الفلسفة، اي صدرت الفتاوي في تجريمها كونها تقود الي الشك في الدين منذ الامام ابوحامد الغزالي الذي اختصر (العلم)على النص الديني (من هنا ظهرت المسميات لرجال الدين او الملالي بأنهم (العلماء)، وكذلك علاوة على النص الديني اللغة العربية والحساب (من اجل التجارة)، وحرم تناول الفلسفة مع كل العلوم الآخرى غير (عالم الدين). وبهذا تم صوغ (العقل) بمنطوقه (الحسي الشكلي)، وبالاتكاء على منطق القياس، ليصبح النص الديني هو المرجع الاساس الذي تقاس عليه كل القضايا الدينية او الرؤية السياسية او الاقتصادية او المجتمعية عموماً. هنا ساد المنطق الصوري الشكلي في شكله الاكثر ركاكة، والابسط الي حد السطحية. ورغم ان العلوم بمختلف فروعها قد تغلغلت مع دخول الحداثة الي الوطن العربي، إلا انها انحكمت الي هذا المنطق في الغالب. لأن (نقد العقل) لم يكن هاجساً لكل مفكري النهضة ومفكري اليسار في البحرين في ظل المشروع الاصلاحي، الذين انطلقوا من ضرورة تحقيق التطور المجتمعي في فترة النهضة العربية كما تحقق في اوروبا. ولقد استند جلهم الي التطور (العقلي) الذي تحقق هناك وهو يؤسس لمشروع التطور المحلي. اما عن يسارنا الرائج فحتى هذا لم يعره اي اعتبار؟ لقد ظل المنطق القروسطي الذي كان جزءاً عضوياً في بنية الايديولوجية الدينية هو المنطق المهيمن. لقد حاول طه حسين ادخال منطق الشك في البحث المتعلق بالأدب التاريخي (مسألة الشعر الجاهلي) لكن تم مواجهته بمعركة فرضت تراجعه الجزئي، والكف عن البحث في هذا الموضوع الحساس. وإذا لم يكف المفكر والباحث عن التراجع فسوف يكون مصيره مثل المفكر حسين مروة والمفكر مهدي عامل باغتيال هذا الفكر من قبل حزب الله اللبناني. الخ. ورغم ان كل المناهج الحديثة قد تغلغلت واصبحت تدرس في الجامعات إلا ان تحقيق الوصول والفصل بين ذلك المنطق الموروث والمنطق الحديث لم يجر ولم يحظ بالاهتمام الضروري. فقد بدأ ان القطيعة قد تحققت وبات التأسيس النظري هو الذي يهيمن، بالاتكاء على منطق الحداثة الاوروبية وتعممت التيارات الفكرية في الوطن العربي (الليبرالية والقومية والاشتراكية والشيوعية) على اساس انها تقوم على منطق حديث. لكن تبين في العمق كما حدث لليسار الرائج في المشروع الاصلاحي في البحرين انها لم تغادر ذلك المنطق الموروث، لأن تجاوز اي منطق يفترض نقده اولاً، وهذا ما لم يتحقق بعد عند اليسار الرائج في البحرين. حيث كرر هذا اليسار الرائج كلمات ومصطلحات ومفاهيم، وقوانين، وبدت انها تقدم تصورات حديثة، وتتناول اوضاعاً جديدة في ظل الانفراج السياسي والهامش الديمقراطي الذي فتحه المشروع الاصلاحي، لكن في العمق تنطلق في المحاكمة النظرية من (عقل موروث) في الغالب جزء منه ينطلق من البعد الطائفي. لقد تراكب الفكر الحديث على بنية (عقلية) كانت ولا زالت هي بنية القرون الوسطي، ولهذا تسطح وتبسط الي حالة السذاجة، وتطرح كقشرة عمومية عند اليسار الرائج في البحرين.
ربما يقول البعض لماذا يتم تصنيف فكر عصر النهضة وكذلك اليسار الرائج بهذه الصفات التي ذكرت في الحلقة السابقة حيث كان فكر النهضة أكثر اصالة وعمقاً، كذلك كان فكر اليسار في البحرين منذ ان تبلور اليسار في جبهات التحرير والشعبية والبعث والناصريين منذ الخمسينيات، وبالتالي كان عصر النهضة واليسار منذ الخمسينيات يضع اسس تعبير عميق. ولكن لماذا فشل فكر النهضة ولماذا فشل فكر اليسار، وهذا ما يطرح سؤال الفشل المتعلق بهما. وربما لا تكون المرجعية المنهجية هي الاساس هنا، حيث لم يجد حاملاً اجتماعياً في عصر النهضة ضرورياً لكي يتحول الي وجود. لكن لا نستطيع ان نقول الموقف ذاته فيما يتعلق بالفكر الذي نشأ منذ تراجعت فاعلية فكر النهضة. وتأسست ونشأة تيارات فكرية كما نعرفها (القومية والاشتراكية والشيوعية) تاريخياً واليسار الرائج في المرحلة الحالية. اي في المشروع الاصلاحي. ربما كان طابع (الفئات) التي قادته او التي طرحته يؤسس لهذه النتيجة اي الفشل. حيث كان الطابع القروي او المديني المهمش هو الذي يسمها. وهذه الفئات كانت متشربة بالمنطق الموروث دون ان يكون قد امتلكت ثقافة تسمح لها بتجاوزه، ولم تجهد لكي تتمثل الجزء الاخطر والاهم في فكر الحداثة، اي ذلك المتعلق بالأساس الفلسفي. وبالتالي جري الاتكاء على فوضي الافكار وعلى الشعارات، والتصورات العامة، دون تملك المنهجية التي اتي بها فكر النهضة او طرحها الجدل المادي والجدال التاريخي اي لا الليبرالي ولا الماركسي، وبالتالي نهلت هذه الفئات من الافكار التي جاءت بها الحداثة ولم تلمس الاسس التي افضت اليها. حيث ظلت منهجياً متحكمة ل (عقل القرون الوسطي) مما سهل اندماجها بالإسلام السياسي والايديولوجية الدينية الاصولية. فقد كانت صيرورة نشوء فكر الحداثة، والتي هي صيرورة فلسفية، بعيدة عن اهتمام الفئات التي تسيّدت منذ الحرب العالمية الثانية. او التي تسيّدت في المشروع الاصلاحي في البحرين وبالتالي لم يواجه اليقين بالشك الديكارتي، ولم يلمس التراكم المتحقق في المنطق ذاته، والذي سيوصل في اوروبا الي جدل هيغل، وبالتالي جدل ماركس. والذي كان يفترض العودة الي الفلسفة عندنا لكي يصبح ممكناً تطوير القوة التجريدية التي تسمح بتجاوز المنطق الحسي بالمنطق العقلي، اي بإدخال (العقل) في الفهم ومقدرته على (التحليل والتركيب)، على التساؤل والشك والنقد والمراجعة النقدية ونقد الذات، وصوغ كل ذلك في صياغات (تجريدية) وليست (حسيه) ليس من ملجأ لها سوي الفلسفة. ورغم ان ابن رشد كان قد اسس الحل الذي يسمح (للعقل) بأن يحلق في تجريده دون ان يسقط الدين، حينما نقض منطق الغزالي الذي يسقط الفلسفة وعبر تأكيد ابن رشد على ان الفلسفة هي طريق لمعرفة (الحقيقة) ولا تتناقض مع الدين وهي اي الفلسفة وعي (الخاصة) اما الدين فهو (وعي العامة)، وبالتالي ليس من الممكن معارضة هذا بذاك. وكانت خطوة ابن رشد خطوة حاسمة في التطور المعرفي الاوروبي، فقد استحكم عند اليسار الرائج (المنطق الغزالي) الذي ابقي الفكر في حدوده الحسية وشكليته اللفظية، حيث (علينا ان نلتمس الحقائق من الالفاظ)، وهي الشكلية واللفظية اللتين حكمتا كل من الفكر القومي والفكر واليساري الشيوعي اضافة طبعاً الي الفكر الديني. أما الفئات الليبرالية فقد اصبحت برجماتية تتكيف مع الواقع الامبريالي لأنه يصب في تحقيق مصالحها دون مجابهة، ولهذا كرست ذلك المنطق القروسطي، وعممت السطحية، وشاهدنا كيف بعد انهيار مشروع الدوار كيف انقلبت الآية لدي كثير من هذا اليسار الانتهازي.
ان فشل مشروع النهضة وكذلك فشل مشروع اليسار في المشروع الاصلاحي يعبر عن ان الازمة هي (ازمة الفكر) والذي لازال حتى وقتنا الراهن موصولاً بالأيديولوجية التقليدية والاصولية والطائفية رغم تباين واختلاف الشعارات بين الاسلام السياسي بشقيه واليسار الرائج في البحرين، ولهذا فشل في وعي الواقع في عصر النهضة وكذلك في المشروع الاصلاحي في البحرين، كما فشل في وضع استراتيجية تغيير، والأسوء هنا في البحرين انه قبل استراتيجية الاسلام السياسي بشقيه وبهيمنة الايديولوجيا التقليدية والاصولية. ولهذا كنا نراه يدور في فلك هذا الاسلام السياسي ومحاولة كما يقول هذا اليسار الرائج تثقيف الجماهير اي جماهير الاسلام السياسي؟!وهو يحاول كما يدعي ان تلعب جمعيات هذا الاسلام السياسي دوراً في الحراك السياسي لأنها هي (الاسلام السياسي المسيطر)، وهناك تيار اخر سواء في اليسار الرائج او عند النظام الحاكم وخصوصاً بعد تداعيات كارثة الدوار وفي الفترة الراهنة نجده يدور حول تحقيق الاصلاحي الديني ؛ انه يقول بأن على الايديولوجية الدينية الاصولية أن تفك الإسار عنه لكي يتحرر عبر تحقيق الاصلاح الديني في هذه الايديولوجية (كما حدث في اوروبا). إن ازمة الفئات الوسطي التي تقود اليسار الرائج في البحرين هذه هي انها تريد أن يحررها اخرون لأنها تبدو عاجزة عن أن تطور مقدرتها (العقلية) (اي منطق تفكيرها). فهي عاجزة عن نقد الوعي الاصولي (عن نقد العقل الغزالي)، وبالتالي عن قدرتها على تأسيس (العقل) ولهذا ظلت تنحكم لمنطق الوعي الحسي الشكلي وباتت مغرقة فيما ضويته، وعبئا على الواقع ذاته. بالتالي ليست المشكلة اصلاح الجمعيات الاسلام السياسي بشقيه ولا المشكلة في ان الاصلاح الديني لم يتحقق في مشروع النهضة او المشروع الاصلاحي في البحرين، لكي ينطلق (العقل)، بل ان المشكلة كمنت في ان (العقل) عند مفكري النهضة وسياسي اليسار الرائج الي انه قد ركن الي ان يحرره الدين من هذا العقل. ولهذا ظل ملتبساً بالمنطق الحسي الصوري، الذي لا يستطيع ان ينتج فكراً او يعي واقعاً، او بالأحرى يرسم صيرورة تغيير ممكنة في مشروع النهضة او المشروع الاصلاحي في البحرين. ولهذا ظل يعتمد على التيارات السائدة من مثل الاسلام السياسي المسيطر، ويتقمص صورتها وحراكها السياسي دون ان يعي ماهيتها. وإذا كانت (الفلسفة) قد تهمشت في (الغرب) نتيجة تطور العلم والعلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، واستقل كل منها تأسيساً على قوانين خاصة به، فإن وضعنا في الوطن العربي والبحرين يفرض العودة الي الفلسفة التي أهملها هذا اليسار الرائج من اجل ردم الهوة التي ابقتنا في القرون الوسطي، لكن من اجل (نقد العقل) الذي تبلور عند هذا اليسار الرائج. هنا المنهجية العلمية هي التي يمكن ان تقوم بهذه المهمة الكبيرة، رغم ان ما عرفه هذا اليسار الرائج منها هو الشكل الذي يكرر منطق القرون الوسطي، وذلك عبر هدم خاصتها (فكر هذه الايديولوجية الدينية الاصولية) الجوهرية التي انبنت فلسفة هيجل وهنا (الجدل)، الذي هو خلاصة تاريخ الفلسفة.
بداية هنا سوف نطرح سؤال لماذا لغاية الان لم يتحرر اليسار الرائج في البحرين من هيمنة الاسلام السياسي عليه ومن خطاب التطرف فيما يسمي باليسار الممانع والمقاوم؟ وكذلك لماذا يفشل الاسلام السياسي بشقيه في البحرين في تجاوز أزمته وفي عدم قدرته على المراجعة النقدية؟ كما ذكرنا سابقاً من ان ازمة اليسار الرائج وفشل مشروعه في ظل المشروع الاصلاحي في البحرين يكمن في الفكر اليساري ووضع الفلسفة عنده والجدل المادي والتاريخي والذي وضع جانباً. وذلك كله يرجع الي انه انحكم (لليقين، الجبرية، الحتمية) وكأن الصيرورة في المشروع الاصلاحي سوف تسير في خط مستقيم وليس لولبي وتأتي الفرصة التاريخية ما سمي بثورة شباب 14 فبراير لتحقق السلب في المشروع الاصلاحي. وكذلك فعل الاسلام السياسي الشيعي. اما الاسلام السياسي السني كان هذا عنده مشروع مؤجل؟ حيث أن اليقين والحتمية ومنصورين. والذي يعني ان اليقين هو الاساس الذي يحكم كل منطق عند هذا اليسار الرائج والاسلام السياسي بشقيه، اي كل التيارات الفكرية. او إذا تم الانصاف يقال ان اليقين هو الذي حكم ويحكم كتل اساسية في الإطار الثقافي كما في الإطار السياسي. طبعاً كما ذكرنا كل التيار الاصولي (الاسلامي) هو كذلك، حيث (اليقين) هو منطقه، وهو (يقين) مقدس. لكن المشكلة التي واجهناها كانت في التيارات الحديثة (اليسار الرائج في البحرين)، والذي تبني الليبرالية والديمقراطية والاشتراكية، حيث ظلت في إطار (اليقين ومنصورين) لهذا قيل انها تبنت قشرة الحداثية دون الحداثة ذاتها، واساساً دون العقلانية التي كانت الخطوة الأولي في الحداثة. وهنا نعود مرة ثانية الي اي المشكلة او المعضلة وهو وضع الفلسفة وبالذات الجدل المادي والتاريخي كأخر اولوية لهذا اليسار الرائج. وما يخص البعد الفلسفي هنا (نظرية الشك) عند ديكارت منطق الشك. والتي يقابلها (اليقين)عند التيار الاصولي الاسلام السياسي وللأسف عند اليسار الرائج. هنا (الشك واليقين) من سمات (العقل) او (التفكير). وبالتالي فإنهما متعلقان بما هو (فلسفي) لهذا سنلمس بأن الفلسفة الحديثة هي اخر ما جري الاهتمام به عند هذا اليسار الرائج. بمعني ان (العقل اليقيني) ظل مستمراً رغم كل محاولات الدخول الي الحداثة، ورغم الميل لتجاوز البني التقليدية والطائفية والمناطقية والجهوية. القديمة. هذا الامر يستدعي في اللحظة الراهنة القول بالحاجة الي الشك الديكارتي ومنطق الشك الديكارتي عند اليسار الديمقراطي العلماني الذي أهمل وفرط في منطق الشك. حيث ان كل بني الحداثة لن تصبح ممكنة التحقق في المشروع الاصلاحي دون تحول العقل. ليس (العقل الجمعي)، فهذا يتحول حينما تتغير البني الاقتصادية الاجتماعية ونظام التعليم والقيم. ولكن (العقل المفكر) وليس (العقل الجمعي)، والمشكلة كانت في ان (العقل المفكر) عند هذا اليسار الرائج كما عند الاسلام السياسي ظل عقلاً (يقينياً). لكن ما هي مشكلة هذا اليسار الرائج؟ لماذا كان اليقين بهذه اليقينية؟ ولماذا غرق هذا اليسار الرائج في اليقين؟ ربما يجب العودة الي التاريخ الي (الغزالي) قبلاً، حيث كان قبل ما يقارب الألف عام قد عمل على تهديم كل المسارات التي كان يمكن ان تقود الي (الشك). من اجل تكريس يقين مطلق. لقد حرم الفلسفة لأنها بالضبط تقود (الي الشك)، ولهذا كفر الفلاسفة، وكل المشتغلين في العلوم الرياضية والمنطقية والالهية والطبيعة. وحصر (العلم) في (الموازين الخمس المنزلة في القران الكريم …. فيكون امامك المصطفي …. وقائدك القران …. ومعيارك المشاهدة والعيان)، لهذا (كما يقول الغزالي فمن تعلم من رسول الله ووزن بميزان الله سبحانه وتعالي فقد اهتدي.. ومن ضل عنها الي الرأي والقياس … فقد ضل وتردي). وبهذا فقد شطب العلوم لمصلحة (علم) محدد في القران لا يجوز الخروج عليه لأن في ذلك كفر وزندقة. ودمر الغزالي (التجريد) الذي هو اساس في كل بحث، وهو المبحث الذي …. فيكون كانت تؤسسه الفلسفة. كما دمر البحث في العلوم الطبيعية لأنها تفتح على التجريد، وبالتالي تقود الي (الشك). هنا اصبحت مهمة العقل محصورة في النص، ومعنية بتفسير المشاهدة وفق النص ذاته وتطبيق احكامه دون تفكير. وبات التجريد الفلسفي خارج الموضوع. كما باتت محرمة. لهذا تقلص (العلم) الي ثلاث عند الغزالي: القران (او علوم الدين) واللغة العربية والحساب (من اجل التجارة) وبالتالي انحصر الوعي المتعلق بالمجتمع والحياة ب (علوم القران) فقط، وتحدد الوصول اليها عبر النص ذاته دون غيره، الامر الذي حصر العلم في اضيق حدود.
نتيجة لانغلاق العقل عند الاسلام السياسي بشقيه وكذلك اليسار الرائج في المشروع الاصلاحي، هنا بات العقل معنياً بتكرار ما هو وارد في النص الديني عند الاسلام السياسي وما هو وارد في النص السوفيتي عند اليسار الرائج دون حاجة الي معرفة اوسع، وتفكير قد يؤدي الي الشك. ونتذكر هنا اننا قمنا بعمل استبيان في جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي حول اهمية (لجنة اعداد الكادر) المهتمة بالبعد الفكري في مقر المنبر في الزنج، وكانت العينة من اعضاء المنبر. والنتيجة لهذا الاستبيان كانت انه لا اهمية لوجود او عدم وجود هذه اللجنة؟ هنا تقلصت القدرة العقلية الي ادني مستوي. وانحصر الوعي في اضيق الحدود. وايضاً فإن الملمح العام كان في هذه الجمعية كما باقي جمعيات اليسار الرائج كان رفض الشك والنقد والمسائلة والمحاسبة. وبات يكرر اليقين. ويعيد انتاج ذاته في حدود تخلفه. وبالعودة ل (ابن رشد) الذي حاول ان يعيد التوازن بين الفلسفة والدين، باعتبار انهما طريقان لحقيقة واحدة، فقد ادي الانهيار الشامل الذي عاشته المنطقة بعد (الغزالي)، الي انتصار العقل الغزالي وهروب فكر ابن رشد الي اوروبا. وتكرس منطق الغزالي مع ابن تيمية وفتاويه (من مثل من تمنطق فقد تزندق)، وهي في العموم قد كفرت حتى الفرق الاسلامية. كما في عصر النهضة، كان لدينا في المشروع الاصلاحي حيث تبلور (العقل) اذن كعقل ناقل مما هو مقدس سواء لدي الاسلام السياسي او اليسار الرائج. والمقدس هنا كان يضفي اليقين المطلق على منطق التفكير. مما ازاح (الشك)وبالتالي (النقد) بعيداً، وكرس تكرار الموروث سواء لكل طائفة على حدي عند الاسلام السياسي او الادبيات السوفيتية عند اليسار الرائج دون تدقيق واعمال الشك والنقد فيه، و(برهبة، وخوف)، لا تسمح بالشك، النقد حتى في الخطأ الاملائي.؟ !، وبالتالي انحصرت حدود المعرفة فيما هو وارد في النص، دون الحاجة الي ما هو اوسع من ذلك، لأن ذلك يمكن ان يقود الي (الشك). والمشكلة العميقة التي تكرست هنا تمثلت في أن المسألة لم تكن تتعلق فقط بتكرار كلمات ومواقف، عند الاسلام السياسي واليسار الرائج، بل اصبحت منهجية، منهجية تكرارية. اذن لا زلنا في ظل المشروع الاصلاحي نعيش (لحظة الغزالي منهجياً (او عقلياً). حيث ينحكم هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج (لليقين) المطلق (منصورين). اليقين الذي لا يسمح بطرح سؤال لماذا او كيف؟ فهذه اسئلة تقود الي الكفر والزندقة عند الاسلام السياسي وتقود الي الانحراف والخيانة عند اليسار الرائج. وبالتالي باتت المسألة تتحدد في (اما مع او ضد). هكذا او ليس هكذا (اما ان تكون مع محور المقاومة والممانعة او تكون مع الامبريالية الامريكية والصهيونية). حيث ان لماذا وكيف هما من (ميزان الشيطان) لانهما يشيران الي الراي، والي التفكير. وبالتالي، الي الشك. وإذا كان الغزالي يخاف (الشك في الاله)، فإن المشكلة التي نعيشها هي ان مبدأ الشك (الفلسفي الديكارتي)، لم يعد قائماً في العقل، وبالتالي فهو هو ليس (عقلاً مفكراً)، حيث يكون الشك اساس التفكير والنقد. لهذا نحن نحتاج الي شك ديكارت عند اليسار العلماني الديمقراطي الذي كرس مبدأ الشك، والنقد والمراجعة النقدية، وفتح الافق لتطور الفكر الحديث. وهنا من البعد الفلسفي تتم الاشارة الي ديكارت لأنه كان مبتدأ الفكر الحديث. لكن ربما نحتاج من الناحية المعرفية الي دحض منطق الغزالي وابن تيمية لانهما اساس المنطق اليقيني المزروع فينا. وهو ما لا يمكن ان يتحقق إلا بالبدء من الشك والنقد. ان التراكم الهائل لليقينية، وقداستها، يفرضان الشك، والنقد والبدء من الشك.
لكي يتحرر اليسار في البحرين من هيمنة الايديولوجية الدينية الاصولية، ومن هيمنة الدغماء (الجمود العقائدي) والذي تكلس فيه هذا اليسار الرائج في البحرين وخصوصاً على المستوي الفكري والسياسي، هو العودة الي فتح الافق الي تجاوز هذا الجمود العقائدي وخصوصاً عبر معادلة (اليقين / الشك)، والذي ينطلق من تبلور المنطق الوضعي كما ان يتبلور لديه الجدل المادي والتاريخي والذي أصبح شك ديكارت جزء اولياً في كل ذلك. هذه بديهية لا تخفي على اي مطلع. وان المهم هنا هو ان التشديد على منطق الشك، لدي هذا اليسار الذي اصبحت كوادره تتقبل كل ما يقال من الزعماء او الرموز او الامناء العامين او الشلل العصابات، وتنصاع له بكل بساطة. لأن كل ما يقوله هؤلاء هو (اليقين المطلق بعينه). ومن هنا تأتي اهمية التشديد (للشك) في كل ما يقال ويطلب ان ينفذ. اي التشديد على تجاوز (اليقين)، اي دون اعمال (الشك) في المنطق السائد الموروث سواء من التجربة السوفيتية – الستالينية او الموروث من القرون الوسطي عند هؤلاء الزعماء، والذي يعيق الصيرورة في المشروع الاصلاحي والحداثة. بمعني ان التشديد هنا على ضرورة(الشك) نبع من ملاحظة بأن كل الاتجاهات الفكرية الرائجة، القومية والليبرالية والاشتراكية والماركسية كما يفهما هذا اليسار الرائج، لم تستطيع تحقيق الانتقال من المنطق (اليقيني) الموروث، وظلت تنحكم للمنطق الشكلي السطحي. وبالتالي ظلت تؤسس على مطلقات. وبهذا فإن حداثة هذا اليسار الرائج لم تكن سوي قشرة سطحية هي الكلمات الحداثية ذاتها (الثورة، ومنصورين، والديمقراطية والتقدم الخ). وهنا بعد تجربة مشروع دوار الكارثة وتداعياته الكارثية على هذا اليسار الرائج، يأتي ضرورة (الشك) في هذه المنظومة على الاقل من منطلق ديكارتي. حيث ان هذا (الشك) سوف يفتح الافق لتمثل كل المنطق الحديث. وليس كما يفعل الاسلام السياسي وللأسف اليسار الرائج التركيز على الفقه. اي على (طريقة)التفكير عند هذا اليسار وليس على الافكار. حيث ان التأسيس لوعي حديث يفترض تجاوز (العقل الغزالي) الذي يتحدد في تقليص العلم الي: القران واللغة العربية والحساب. وهو ما كان يعني شطب (التجريد) الذي وضحنا في حلقة (معني التجريد). النظري الضروري لكل علم. ولقد رأينا الحرب التي شنها على الفلسفة (التي هي ام التجريد)، وتحريمها دينياً كونها تفضي الي(الشك)، وهنا لابد لهذا اليسار إذا اراد الخروج من أزمته الفكرية الي العودة الي الفلسفة بما هي (تجريد) لفهم الواقع ومن ثم تغيره وهذه خطوة اولية لا بد منها من اجل استيعاب الفكر الحديث، والا ظل هذا اليسار في (الحسي) هو المسيطر كما نلحظ لدي كل التيارات الراهنة في المشروع الاصلاحي وهو الدرجة الاولي في المعرفة العقلانية فقط ولا يرقي الي الادراك. ومن ثم وضع الرؤية. حيث ظلت هذه التيارات تتمسك بمقولة الغزالي الشهيرة (علينا ان نلتمس الحقائق من الالفاظ) وليس من الواقع، ليبقي هذا اليسار الرائج مضيع في الكلمات، كما يقال في المباشر في الحدث اليومي، الحسي، دون ان يستطيع الانتقال الي الادراك ومن ثم الي (التجريد) من اجل الفهم الاعمق للمشروع الاصلاحي ومشروع اليسار الديمقراطي العلماني فيه.
ان تمثل اتجاهات الفكر الحديث في المشروع الاصلاحي لدي اليسار الرائج بني على (وعي مفوت)، وعي ماضوي، موروث، جامد، عقائدي، وبالتالي ظل سطحياً ويقينياً وحسياً. ظل ينحكم لمنطق اليقين. وهذا ما يجب اخضاعه (للشك) و (النقد) و (المراجعة النقدية) و (النقد الذاتي) من اجل تجاوزه والا دار هذا السار في حلقة مفرغة. نتيجة هذه الشرنقة التي حبس نفسه فيها. وبالتالي لكي يتأسس الوعي الحديث على ارضية صلبة. حيث انه دون تجاوز هذا الوعي المفوت لن يكون ممكناً تمثل اي من التيارات الحديثة، والتي أصبح هذا اليسار الرائج بعيداً عنها نتيجة تحكم الهوس بالسياسية وعدم اعطاء اي اهمية للفكر. لان هذا الفكر لا يستقيم مع المنطق الحسي (الدرجة الاولي من المعرفة العقلية) كما تطرحه النظرية المادية في المعرفة. والذي كما قلنا لا يرقي الي الدرجة الثانية الإدراك من المعرفة العقلية. كما تطرحه النظرية المادية في المعرفة. كما هو مفهوم العفوية في الممارسة السياسية، التي لا ترقي الي مستوي الوعي كما يقال (الطبقة في ذاتها والطبقة لذاتها). هنا في المرحلة الراهنة من المشروع الاصلاحي يحتاج اليسار العلماني والديمقراطي الي نقلة منهجية كبيرة وبالذات فيما يتعلق بالنقد والاختلاف والتعبير عن الراي اي (الشك) الديكارتي (دون ان نتجاهل بان الفلسفة العربية مليئة بالشك). ودون ان نلغي دور اليسار الماركسي الذي تبلور بعد انهيار التجربة السوفيتية والذي قام بمراجعات تحت عنوان ما هي الماركسية والذي تم إطلاق تسميه على باليسار الماركسي بالمتمرد وهناك كوكبة من هذا اليسار الذي عمل على اعادة قراءة الماركسية من منظور الشك. والنقد. لان هذا الشك تبلور في مناهج حديثة منها الجدل الهيغلي والجدل الماركسي والفلسفة الوضعية، والبنيوية الخ. ولكن لماذا أصبح الشك والنقد ضرورة ملحة لدي هذا اليسار الان؟ ان التركيز على الشك هو اذن، لتوضيح مدي ثقل اليقين الواقع على صدر هذا اليسار والذي يسكن ويعشش في الوعي لديه، في مختلف تيارات هذا اليسار فما بالك بتيار الاسلام السياسي الذي ينخره اليقين حتى النخاع. وبالتالي للقول بأنه بات من الضروري التوقف للشك في هذا اليقين. وبالتالي الشك في منطق كل التيارات الفكرية الرائجة اليوم على الساحة السياسية البحرينية. والدعوة الي تفحص الياتها الذهنية المتحكمة لمنطق اليقين. والانطلاق من مسألتين، الاولي: الفلسفة والتجريد بشكل عام الذي تحطما بفعل منطق اليقين ومفهوم الهوية، المنطق الشكلي الذي بدء يتكسر منذ نشوء الشك.
نخلص هنا الي ان اليسار الرائج في البحرين، سوف نجد (الفكر) لديه دون فكر، لأنه يفتقد آليته التي هي (التجريد)، فهو الحسي (رغم ان الحسي كما ذكرنا هو الدرجة الاولي من المعرفة حسب النظرية المادية في المعرفة) لكنه هنا عند هذا اليسار يعني السطحي الساكن المقطوع عند (الادراك) الدرجة الثانية في المعرفة العقلية حسب النظرة المادية في المعرفة وبالتالي نذهب الي (التجريد). هنا الحسي هو المباشر، دون ان يتحول الي العمق الفلسفي. قبل ان يستطيع هذا اليسار الرائج تحديد الاتجاهات الفلسفية (او الفكرية) الآخرى ومنها فكر الاسلام السياسي وايديولوجيته الدينية الاصولية او الجهادية. ذلك ان الدعوة الي التجريد، اي الي انتقال العقل من اللفظ والحساب والنص الي ما هو أعمق (اعلى لكن أعمق). وهذا هو سبب الاشارة الي الغزالي، والي (الماركسية اللينينية) كما نقلها هذا اليسار عن الكتاب السوفيت. حيث هي دعوة لليسار الديمقراطي العلماني الي العودة الي الفلسفة، ومن ثم التوصل الي اعتناق اي من التيارات الفكرية. لقد شطب الامام ابو حامد الغزالي الفلسفة لأنها تقود الي الشك في الدين. فأسس منطقاً سطحياً بسيطاً يقينياً مطلقاً هو هذا الذي يتوارثه هذا اليسار الرائج والاسلام السياسي (بالسليقة) عبر الحكاية والمثل والتربية وكل الموروث (الطائفي)، وكل الثقافة المعممة. وهي الثقافة التي تهمش الفلسفة وتكرس الالفاظ والشعارات والجمل الرنانة وهو المنطق الذي لازال يحكم الاتجاهات الفكرية عموماً كما تم الإشارة له من قبل. وبالتالي فإن الشك يبدأ من عودة الفلسفة، ويفرض عودة الفلسفة عند هذا اليسار الرائج. طبعاً المسألة هنا لا تفرض ان نبدئ من (التسلسل التاريخي)، فقد تبلورت التيارات الفكرية، وانفرزت الفلسفة. وبالتالي ليس مطلوباً ان نعود لفعل ما فعله هيغل حينما اعاد صياغة الفلسفة، والتي اوقفها ماركس على قدميها بعد ان كانت تمشي على راسها، او نقف عند حدود الشك عند ديكارت … الخ. حيث لا تكرار في التاريخ، ولكن ان يتم اخضاع الوعي المتوارث لنقد الوعي الحديث، عبر نقد هذا اليسار العلماني الديمقراطي لتاريخنا الفكري. وما من شك في ان الهدف هنا هو استيعاب الفكر الحديث بشكل عام و(الجدل المادي والجدل التاريخي) بشكل خاص. هنا نقدر ان نلمس مشكلة (الوعي / الفكر) عند هذا اليسار الرائج، الذي يقوم على اليقين المطلق. ومن ثم يتم الاشارة الي جذره في الوعي الموروث سواء القبلي او الطائفي او الستاليني. والذي تم ارجاعه الي (الغزالي) تاريخياً. وهو الجذر الذي جعل تبني الفكر الحديث سطحياُ عند هذا اليسار الرائج، ولا يعدو ان يكون كلمات وجمل وشعارات دون معني. وينحكم للمنطق ذاته الذي تبلور منذ ارسطو، وتحول من منطق فلسفي الي منطق (لاهوتي) على يد الغزالي. الامر الذي أفضى الي ان يكون الفكر عبارة عن (صحافة) عند هذا اليسار، لأن منطق الفكر، اي (التجريد) ليس ممكناً لدي هذا اليسار الرائج، لهذا تتم الدعوة هنا الي اعادة بناء الوعي تأسيسا على الشك والنقد والمراجعة النقدية من اجل الوصل الي الحقيقة. وهو ما يستلزم استيعاب الفكر الحديث. الذي لن يكون ممكناً استيعابه من قبل هذا اليسار دون البدء من الشك والنقد والمراجعة في الوعي الذي تبلور في فترة المشروع الاصلاحي وما قبله. وكذلك في ادوات هذا اليسار الموروثة وفي مفاهيمه المتوارثة بما فيها الصيغة التنظيمية التي سادت في المشروع الاصلاحي (الجمعية السياسية). ولكن أساساً في المنهجية التي حكمت هذا اليسار الرائج، اي طريقة التفكير التي حكمته وتحكمت في مفاهيم رؤيته.
ذكرنا في الحلقة السابقة جملة (ان تبني الفكر الحديث واجه صعوبة تبلوره لدي اليسار الرائج في البحرين نتيجة اصطدامه بالوعي الموروث سواء القبلي او الطائفي او القومجية او الستاليني وهذا الوعي الذي جعل تبني الفكر الحديث ان يكون سطحياً عند هذا اليسار الرائج، وجعله ينحكم للمنطق ذاته الذي تبلور منذ ارسطو). وهنا تتم العودة الي السؤال: كيف فهم الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين – العلمانية؟ وهنا سوف تتم المقارنة والمقاربة للعلمانية من منظور منطق ارسطو ومن منظور منطق المنهجية العلمية. سنلاحظ ان المنطق القديم (منطق ارسطو) يقوم على ثنائية؛ حيث (مبدأ الهوية) يحكمه، (فالشيء) لا يمكن ان يكون ذاته وغيره في الوقت نفسه. كما يحكمه (مبدأ عدم التناقض)، لهذا فالمنطق؛ هنا ثنائي، حيث الشيء / وضده، وهو (الجدل الثنائي). فالخير ضده الشر، والابيض ضد الاسود. وهذا المنطق؛ ليس منطق الفلسفة القديمة فقط، بل هو ايضاً، منطق الدين، ومنطق الاسلام السياسي ومنطق اليسار الممانع والمقاوم؟ وهو عند اليسار الرائج في البحرين لا زال يحكم (العقل)، سواء قبل او اثناء كارثة الدوار او بعد تداعيات هذه الكارثة، وحتى الان وبالذات في الموقف من الصراع الدائر بين ما يسمي بمحور المقاومة والممانعة المزيف وامريكا وإسرائيل. وبالتالي فهو منطق سابق لجدل هيجل، ادني من جدل هيجل (وبالتالي متخلف عن كل المنطق الحديث) إنه منطق الشكل السطح السكون الخالي من الحركة والتحول …الخ. ولنعود هنا الي ثنائية (ايمان / الحاد)، المنطق القديم كان يضعهما (كضدين) لا (اتفاق) بينهما، وبالتالي فإن عدم الايمان يعني حكماً الإلحاد (وكذلك الاختلاف في فهم الإيمان يعني حكماً الإلحاد). لكن هذا المنطق القديم (يسقط) حين الانطلاق من المنطق الحديث الذي جائت به المنهجية العلمية لأن المشكلة آو المسألة لم تعد كذلك، فالمنهجية العلمية مثلاً تنطلق (في المستوي الفلسفي) من (الواقع)، نافية فعل اية قوة خارجية (وهي هنا تلتقي والإلحاد لكنها وهي تنطلق من الواقع ،تلمس فكرة الاله، الرب، الله التي هي فكرة واقعية (موجودة في الواقع، تعتنقها شعوب) لتعالج جذر نشوئها ووظيفتها، وهي هنا تتناولها من زاويتين متناقضتين (في الوقت نفسه)، لأنها عبرت عن تطور عام في الوعي البشري في السياق التاريخي (كظاهرة اجتماعية)، من جهة، ولكن دورها (الواقعي راهناً) عند الاسلام السياسي والايديولوجية الدينية الاصولية هو دور سلبي من جهة اخري (الهرب من الواقع الي الاخرة). هذا في المستوي الفلسفي. اما في المستوي السياسي فلمنهجية العلمية تنطلق من (العلمانية)، حيث تنفي دور الدين السياسي (الاسلام السياسي) (فصل الدين عن السياسة والدولة)، لكنها تعترف به كوجود واقعي في (المستوي الشخصي) اي (كعبادة وكعقيدة)، اما في المستوي العملي فإن المنهجية العلمية تنطلق من موقف اية حركة واقعية من القضايا الواقعية لتحدد منها: معها او ضدها، فهي وانطلاقاً من كونها تهدف الي تطور الانسان تحترم معتقده. لذلك يتم القول ان المنهجية العلمية لا تطرح القضاء على العقيدة لأنها شأن شخصي، بل على تسيسها واستخدامها كأداة وامتياز للوصول الي السلطة الدينية. لذلك نسمع كثيراً عن انه لا يمكن القضاء على مثلاً حماس او حزب الله لأنها (عقيدة او فكرة) وسوف تظهر ألف حماس وألف حزب الله إذا هزمت حماس او حزب الله وهنا يتم الخلط بين (العقيدة) كشأن شخصي والموقف السياسي من حماس وحزب الله كأحزاب اصولية جهادية تستغل الدين والعقيدة من اجل الوصول الي السلطة. بينما في المنهجية العلمية هي رؤية تتجاوز اشكالية إيمان / إلحاد، فهي تركب بينهما، لكن المنطق القديم يضعها اي يضع هذه المنهجية العلمية في إطار (الإلحاد) يساوي بينها وبين الإلحاد، وهذا ابتسار للمنهجية العلمية وابتسار لموقفها، لكنه يوضح جوهر اشكالية المنطق القديم الذي يتبناه هذا اليسار المقاوم والممانع؟
ان جوهر او اشكالية المنطق القديم (ارسطو) (او الغزالي)، والذي لايزال هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين ينسج على منواله أصبح يسحب على كل المفاهيم من مثل المشروع الاصلاحي، الرأسمالية، الصهيونية، محور المقاومة والممانعة الخ. ومن هذا الاساس يفهم الفكر الديني او فكر اليسار الرائج في البحرين كما هو حال كل اليسار الممانع والمقاوم العربي، يفهم مثلاً الرأسمالية من منطق الهوية ل ارسطو والذي يقوم على ثنائية حيث مبدأ (الهوية) يحكمه، فالشيء لا يمكن ان يكون ذاته وغيره في الوقت نفسه. وهنا الرأسمالية او الصهيونية؛ فهي هي، وليست هي المتناقضة، هي وضدها. فالرأسمالية (هوية) بالمعني الارسطي، وكذلك فيما يتعلق بالفكر الذي تبلور مع الرأسمالية منذ نشوئها فهو (هو)، وليس هو وضده، لهذا نري ان الرأسمالية (وفكرها) سلبه (الفكر الديني) نقيضه وهو في جوهر ما قام به الاسلام السياسي وكذلك محور المقاومة والممانعة وايضاً ما قام به اليسار الممانع والمقاوم. بعدم قدرته فهم ان الرأسمالية تحمل في طياتها نقيضها. بل هي عندهم (هوية) لا تقبل ان تكون ذاتها وفي نفس الوقت غيره في الوقت نفسه. وكذا نظر وفهم الاسلام السياسي واليسار الرائج في البحرين العلمانية، لهذا تساوي هذه العلمانية عند هذا الاسلام السياسي واليسار الرائج (الإلحاد)، ولم يفهم وينظر الي ان العلمانية هي التركيب الجدلي لتناقض إيمان / الحاد. وهكذا القومية التي توضع عند اليسار القومي في تعارض وعالمية الاسلام، ولم يفهم انها التركيب الجدلي لتناقض العالمية / القبيلة. حسب ما يذكره خلدون النقيب ان الاسلام هو الذي ادلج القبيلة. وهكذا فيما يتعلق بالمواطنة لم يفهمها هذا الاسلام السياسي الطائفي وكذلك اليسار الرائج بأنها تجاوز لمنطق الاغلبية / الاقلية (الاغلبية كما كان يقال الشيعية والاقلية كما يقال السنية) فالمواطنة ليست جمعاً للملل، بل هي تركيب جديد على اسس جديدة، مرتبطة بتشكل سياسي في المشروع الاصلاحي (هو الدولة / الامة)، هذا المنطق المنطلق من نظام الممل، والذي يري كل طائفة مستقلة عن الآخرى، وفي تضاد معها، ولم يفهم هذا الاسلام السياسي وهذا اليسار الرائج ان التركيب في المشروع الاصلاحي يتمثل في المواطنة حيث كل البشر متساوون دون إلغاء معتقدات اي منهم. وهذا ما فشل فيه النظام الحاكم وكل الجمعيات سواء الاسلام السياسي او اليسار الرائج في تجربة الاصلاح بالرغم من ان المواطنة قدم تم وضع كتيب عنه للتدريس في المدارس الحكومية وكذلك كل المؤتمرات التي عقدت حول المواطنة في البحرين قبل كارثة الدوار. ولكن سنلاحظ هذا المنطق القديم في الجمعيات التي تبنت الماركسية السوفيتية كذلك، حيث؛ البورجوازية / البروليتاريا، الاشتراكية / الرأسمالية، الفكر الاشتراكي / الفكر الرأسمالي، الديمقراطية الاشتراكية / الديمقراطية الرأسمالية، العلم الاشتراكي / العلم الرأسمالي …… الخ، وهذه الجمعية هنا متخلفة عن لحظة هيجل وبالتالي عن لحظة ماركس لأنها لا تعرف التركيب، التفاعل والوحدة والصراع، الهوية والاختلاف …. الخ. لقد ضاع ماركس في جبة ارسطو. رغم ان هيجل كان قد جعل منطق ارسطو، عنصراً اولياً في الجدل (عنصر الفهم. التحديد)، وبالتالي غدا منطق ارسطو هو (منطق الماركسية السوفيتية) وتحول الي فلسفة بالمعني التأملي المجرد، منفصلة عن (التحليل الواقعي) الذي استند الي وضعية اتخذت شكلاً سياسوياً او اقتصادوياً. وهذا تكريس لمنطق ارسطو داخل المنهجية العلمية ذاتها حيث هذا الهوس السياسي يتجاوز الاقتصادي والفلسفي، دون ان يتحدا، ولتصبح السياسة هي السياسة المحض او الاقتصاد هو الاقتصاد المحض والفلسفة هي الفلسفة المحضة، دون ارتباط سوي الارتباط الشكلي، وبالتالي دون تفاعل اي دون وحدة بين الاقتصاد والسياسة والفلسفة.
المرجع كتاب: العلمانية – المعني والاشكالية في الوطن العربي. للكاتب والمفكر سلامه كيله.